عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ الآية، قال: ألم تَروا إلى صاحب البناء كيف لا يُحبّ أن يختلف بُنيانه، فكذلك اللهُ لا يُحبّ أن يختلف أمره، وإنّ الله صَفَّ المسلمين في قتالهم وصَفّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله؛ فإنه عصمة لمن أخذ به
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال بعضهم: يا رسول الله، فما لنا مِن الأجر إذا جاهدنا في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾
عن عَبِيدة السلماني، وعُبَيْد بن عُمَيْر، وأبي ميسرة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، و[إبراهيم] النخعي، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسالم [بن عبد الله بن عمر]، وطاووس، وعطاء، وعبد الرحمن الأسود، والحكم [بن عُتَيبة]، وأبي جعفر [الباقر]، وقتادة بن دِعامة، ومكحول، وأبي الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة [الرأي]، وعطاء بن دينار، والحسن بن صالح، والأوزاعي، والثوري، ومالك، قالوا جميعًا: يُقْضى مُتَفَرِّقًا
اختُلِف في معنى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي القَتْلِ﴾ بناءً على اختلاف القرأة في قراءتها؛ فمن قرأها: ›فَلا تُسرِف‹ بالتاء: كانت على معنى الخطاب لرسول الله ﷺ، ولأُمَّته بعده. ووجَّهه ابنُ عطية (٥/٤٧٢) بقوله: «أي: فلا تقتلوا غير القاتل». ثم ذكر احتمالًا آخر أن يكون الخطاب للوليِّ، فقال: «ويصحّ أن يراد به الوليِّ، أي: فلا تسرف -أيُّها الوليُّ- في قتل أحد متحصل في هذا الحكم». ومن قرأها: ﴿فلا يُسرِف﴾ بالياء كان له فيها معنيان: الأول: فلا يُسرِف وليُّ المقتول فيَقْتُل غير قاتِلِ وليِّه. الثاني: فلا يُسرِف القاتل في القتل. ووجَّهه ابنُ عطية بقوله: «والمعنى: فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفسًا، فإنه يحصل في سياق هذا الحكم». ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٥٨٥، ٥٨٨) صوابَ القراءتين وتقارب معنييهما، ثم رجَّح صحة المعاني المبنية عليها القراءات مستندًا إلى دلالة العموم، فقال: «وإن كان كِلا وجْهَي القراءة عندنا صوابًا، فكذلك جميع أوجُهِ تأويله التي ذكرناها غيرُ خارجٍ وجْهٌ منها من الصواب». وعلَّل ذلك بقوله: «لاحتمال الكلام ذلك، وإنّ في نهي الله -جلَّ ثناؤُه- بعضَ خَلْقِه عن الإسراف في القتل نهيًا منه جميعَهم عنه»
اختُلِف في عود الضمير في قوله: ﴿لا يملكون﴾؛ فقيل بعوده على المجرمين أي: لا يملكون أن يُشفع لهم ولا سبيل لهم إليها. وقيل: بعوده على المتقين، وفيه وجهان: أحدهما أي: إلا مَن كان له عمل صالح مبرز يحصل به في حيز من يشفع، و﴿مَن﴾ على هذا للشافعين. والآخر: إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدًا، و﴿مَن﴾ على هذا للمشفوع فيهم. وذكر ابنُ عطية (٦/٦٩-٧١) أنه بعود الضمير على المجرمين يكون المراد به: المشركون خاصة، ويكون قوله: ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾ استثناء منقطعًا، أي: لكن مَن اتخذ عهدًا يشفع له. والعهد على هذا: الإيمان، ثم بين أنه يحتمل أن يكون «المجرمون» يعم الكفرة والعصاة، ثم أخبر أنهم ﴿لا يملكون الشفاعة﴾ إلا العصاة المؤمنون؛ فإنهم يشفع فيهم، فيكون الاستثناء متصلًا. وبنحوه ابنُ جرير (١٥/٦٣٢-٦٣٥). وذكر ابنُ عطية احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية أن يراد بـ﴿مَنِ﴾: محمد ﷺ، وبـ﴿الشفاعة﴾: الخاصة له ﷺ لعامة للناس، ويكون الضمير في ﴿يَمْلِكُونَ﴾ لجميع أهل الموقف، ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه فيقوم إليها ﷺ، فالعهد -على هذا- النص على أمر الشفاعة في قوله تعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]»
في قوله: ﴿علمه البيان﴾ قولان: الأول: أنه بيان الحرام والحلال. الثاني: أنه الكلام والمنطق. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢/١٧٠) القولين، ثم رجّح العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: أنّ الله علّم الإنسان ما به الحاجة إليه مِن أمر دينه ودنياه مِن الحلال والحرام، والمعايش والمنطق، وغير ذلك مما به الحاجة إليه؛ لأن الله -جلّ ثناؤه- لم يخصص بخبره ذلك أنه علّمه مِن البيان بعضًا دون بعض، بل عمّ فقال: ﴿علمه البيان﴾، فهو كما عمّ -جلّ ثناؤه-». وذكر ابنُ عطية (٨/١٥٩) القول الأول، ووجّهه عليه بقوله: «وهذا جزء من البيان العام». وعلّق على القول الثاني بقوله: «وذلك هو الذي فُضِّل به الإنسانُ من بين سائر الحيوان». ثم ذكر أنّ: «كلّ المعلومات داخلة في البيان الذي علّمه الإنسان، فكأنه قال من ذلك البيان، وفيه معتبر». ورجّح ابنُ كثير (١٣/٣١٣-٣١٤) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلّل ذلك بقوله: «لأنّ السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلْق، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلْق واللسان والشّفتين، على اختلاف مخارجها وأنواعها»
علَّق ابنُ كثير (١٣/٤٢١-٤٢٢) على هذا الأثر بقوله: «كذا رواه مسلم في آخر الكتاب. وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية، عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، به. وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، مثله، فجعله من مسند ابن الزبير. لكن رواه البزّار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره»
رجَّح ابن جرير (١/٥١٩ بتصرف) أن الأسماء التي عُلِّمها آدم هي أسماء ذريته، وأسماء الملائكة، مُستندًا إلى لغةِ العربِ، ثم وجَّه قول ابن عباس المخالف لِما رَجَّحه بقوله: «وإن كان ما قال ابن عباس جائزًا، على مثال ما جاء في كتاب الله من قوله: ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه﴾ الآية [النور:٤٥]، وقد ذُكِرَ أنها في حرف ابن مسعود: (ثُمَّ عَرَضَهُنَّ)، وأنها في حرف أُبَيٍّ: (ثُمَّ عَرَضَها)، ولعل ابنَ عباس تَأَوَّل ما تَأَوَّل على قراءة أُبيٍّ؛ فإنه فيما بلغنا كان يقرأ قراءة أُبَيّ، وتأويل ابن عباس -على ما حُكِي عن أُبَيٍّ من قراءته- غيرُ مستنكر، بل هو صحيح مستفيض في كلام العرب». ووجَّه ابن تيمية (١/١٩٢) هذا التأويل بقوله: «أراد أسماء الأَعْراض، والأَعْيان، مكبرها ومصغرها». وقال ابن كثير (١/٣٤٨): «والصحيح أنّه علمه أسماء الأشياء كلها؛ ذواتها، وصفاتها، وأفعالها، كما قال ابن عباس»
وعن ابن أبْزى، ومجاهد بن جبر، والحسن البصري، وإسماعيل السُّدِّيّ، ومحمد ابن شهاب الزهري، وقتادة بن دِعامة، والربيع بن أنس، وأبي صالح باذام، نحو ذلك
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق ابن ثور-: ﴿لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون﴾ على أنّ الدين عند الله الإسلام، ليس لله دِين غيره