نقل ابن القيم (١/٣٧٨) في معنى صراطك المستقيم أقوالًا أخرى مع قول مجاهد المثبت هنا، فقال: «قال ابن عباس: دينك الواضح. وقال ابن مسعود: هو كتاب الله. وقال جابر: هو الإسلام. وقال مجاهد: هو الحق». ثم علَّق عليها بقوله: «والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق إلى الله تعالى»
ذكر ابنُ كثير في تفسيره ٨/٢٦٥ أثر ابن عباس من رواية ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، ثم علَّق عليه بقوله: «فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء»
قال زيد بن أسلم -من طريق هشام بن سعد-: أنّ رجلًا مِن المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لِقُرّائنا هؤلاء؛ أرغبُنا بطونًا، وأكذبُنا ألْسِنَةً، وأجبنُنا عند اللقاء؟! فقال له عوفٌ: كذبت، ولكنَّك منافق، لَأُخْبِرَنَّ رسولَ الله ﷺ. فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآنَ قد سبقه، فقال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ ناقة رسول الله ﷺ، تَنْكُبُهُ الحجارة، يقول: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فيقول له النبي ﷺ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. ما يزيده
قال محمد بن السائب الكلبي: إنّما قال ذلك حين حكى لإخوته أنّ مالك بن ذعر قال: إنِّي وجدت غلامًا في بئر، مِن حاله كَيْتَ وكَيْت، فابتعته بكذا درهمًا. فقالوا: أيها الملك، نحن بعنا ذلك الغلام. فغاظ يوسفَ ذلك، وأمر بقتلهم، فذهبوا بهم ليقتلوهم، فوَلّى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن ويبكي لِفَقْدِ واحدٍ مِنّا حتى كُفَّ بصرُه، فكيف إذا أتاه قَتْلُ بنيه كلِّهم؟ ثم قالوا له: إن فعلتَ ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا، فإنّه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رَحِمَهم وبكى، وقال ذلك القول
عن الربيع بن برة -من طريق محمد بن سنان- قال: ابنَ آدم، إنما أنت جِيفة مُنتِنة، طيَّبَ نسيمَك ما رُكِّب فيك مِن روح الحياة، فلو قد نُزِع منك رُوحك أُلقيتَ جثةً ملقاة، وجيفة مُنتِنَة، وجسدًا خاويًا، وقد جيَّف بعد طيب ريحه، واستوحش منه بعد الأُنس بقربه، فأيُّ الخليقة -ابنَ آدم- منك أجهل؟! وأيُّ الخليقة منك أعجب؟! إذا كنتَ تعلم أنّ هذا مصيرك، وأنّ التراب مقِيلك، ثم أنت بعد هذا لِطُول جهلك تَقَرَّ بالدنيا عينًا، أما سمعته يقول: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾؟! أما –واللهِ- ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظيم ثوابهما عنده لأوليائه، أما سمعته يقول -جل ثناؤه-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، أوَما سمعته يقول -عزَّ شأنُه-: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فهاهما منزلتان عظيمتا الثواب عند الله قد بذلهما لك، يا ابنَ آدم، فمَن أعظمُ في الدنيا منك غفلة؟! أو مَن أطول في القيامة حسرة؟! إن كنتَ ترغب عمّا رغب لك فيه مولاك، وإنك تقرأ في الليل والنهار في الصباح والمساء: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]
قال ابنُ جرير (٢٢/٢٣٥) مستندًا لأقوال السلف: «يقول -تعالى ذكره-: ولمن اتقى الله من عباده، فخاف مقامه بين يديه، فأطاعه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه؛ جنتان، يعني: بُستانين، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفتْ ألفاظهم في البيان عن تأويله، غير أنّ معنى جميعهم يقول إلى هذا». وذكر أقوال السلف على هذا. وذكر ابنُ عطية (٨/١٧٧) في قوله: «مَن» احتمالين، فقال: «»مَن«في قوله تعالى: ﴿ولمن﴾ يحتمل أن تقع على جميع المتصفين بالخوف الزاجر عن معاصي الله تعالى، ويحتمل أن تقع لواحد منهم، وبحسب هذا قال بعض الناس في هذه الآية: إنّ كلّ خائف له جنتان. وقال بعضهم: إن جميع الخائفين لهم جنتان». ونقل ابنُ عطية (٨/١٧٧) عن قوم قولهم: «أراد: جنة واحدة، وثنّى على نحو قوله تعالى: ﴿ألْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، وقول الحجاج: يا غلام اضربا عنقه». وانتقد (٥/٢٣٣ دار الكتب العلمية) قولهم -مستندًا إلى القرآن، وإلى اللغة- قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأن معنى التثنية متوجّه، فلا وجه للفرار إلى هذه الشاذة، ويؤيد التثنية قوله: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وهي تثنية»ذات«على الأصل؛ لأن أصل»ذات«: ذوات»
عن محمد بن السّائِب الكلبي، في قوله: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية، قال: حدثني أبو صالح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا أُسرِي بي، فانطلق بي الملَك، فانتهى بي إلى نهر الخمر، فإذا عليه إبراهيم عليه السلام، فقلتُ للملَك: أيُّ نهرٍ هذا؟ فقال: هذا نهر دِجلة. فقلتُ له: إنّه ماء. قال: هو في ماءٍ في الدنيا، يسقي اللهُ به مَن يشاء، وهو في الآخرة خمرٌ لأهل الجنة». قال: «ثم انطلقتُ مع المَلك إلى نهر الرُّبّ، فقلتُ للمَلك: أيُّ نهر هذا؟ قال: هو جَيْحُون، وهو الماء غير آسِن، وهو في الدنيا ماء، يسقي الله به مَن يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسِن. ثم انطلق بي، فأبلغني نهر اللّبن الذي يلي القِبلة، فقلتُ للمَلك: أيُّ نهر هذا؟ قال: هذا نهر الفُرات. فقلتُ: هو ماء؟ قال: هو ماء، يسقي الله به مَن يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذُرّية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم. ثم انطلَق بي، فأبلغني نهر العسل الذي يخرج مِن جانب المدينة، فقلتُ للمَلك الذي أُرسل معي: أي نهر هذا؟ قال: هذا نهر مِصر. قلت: ماء هو؟ قال: هو ماء، يسقي الله به مَن يشاء، وهو في الآخرة عسل لأهل الجنة». ﴿ولَهُمْ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ يقول: في الجنة، ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ يقول: لذنوبهم
قال مقاتل بن سليمان: نزلت فى رجل من غَطَفان، يُقال له: المنذر بن رفاعة، كان معه مال كبير ليتيم، وهو ابن أخيه، فلما بلغ طلب مالَه، فمنعه، فخاصمه إلى النبي ﷺ، فأمر أن يرد عليه ماله، وقرأ عليه الآية، فلمّا سمِعها قال: أطعنا اللهَ، وأطعنا الرسول، ونعوذ باللهِ مِن الحُوبِ الكبير. فدفع إليه ماله، فقال النبي ﷺ: «هكذا مَن يُطِع ربَّه عز وجل، ويُوقَ شُحَّ نفسِه، فإنّهُ يحل دارَه». يعني: جنته، فلمّا قبض الفتى مالَه أنفقه في سبيل الله، قال النبي ﷺ: «ثبت الأجرُ، وبقي الوِزْرُ». فقالوا للنبي ﷺ: قد عرفنا ثبتَ الأجرُ، فكيف بقي الوِزْرُ وهو يُنفَقُ في سبيل الله؟ فقال: «الأجرُ للغلام، والوِزْرُ على والده»
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق عامر- قال: جئتُ من الرَّمْيِ، فإذا الناس مجتمعون على أُمِّي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعلى أخي عامر حين أسلم، فقلت: ما شأنُ الناس؟ قالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامرًا تعطي الله عهدًا أن لا يُظلّها ظِلٌّ، ولا تأكل طعامًا، ولا تشرب شرابًا؛ حتى يدع الصباوة. فأقبل سعد حتى تخلص إليها، فقال: عَليَّ -يا أُمَّه- فاحلفي. قالت: لِمَ؟ قال: لِئَّلا تَسْتَظِلِّي في ظلٍّ، ولا تأكلي طعامًا، ولا تشربي شرابًا، حتى تري مقعدك من النار. فقالت: إنما أحلف على ابني البَرِّ. فأنزل الله: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ إلى آخر الآية
عن سفيان بن عيينة -من طريق ابن أبي عمر- قال: إنهم خرجوا في السفينة، فجاء الحوت، فلم يدعهم أن يجوزوا، فلما وجَّهوا السفينة جاء فغاص بين أيديهم، فلم يدعهم أن يجوزوا، فقال بعضهم لبعض: ما شأنُ هذا؟ إنّ فيكم رجل أبق مِن ربه، فساهِموا. فوقع السهم، فخرج السهم على يونس، فكأنّهم تأثموا أن يُلقوه، ثم أعادوا السهم، فخرج عليه، فألقوا السهم الثالثة، فوقع السهم عليه، فلما خرج عليه الثالثة ألقَوْه، فالتقمه الحوت، والتقم الحوتَ حوتٌ آخر، فذلك قوله -جلَّ ذِكْرُه-: ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فلما انتهى الحوت إلى قرار الماء سمع الحصا يُسبِّح، فقال يونس: وها هنا يُعبد الله! ﴿سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]