وجَّه ابنُ تيمية (٦‏/‏٥٠٣) قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وما في معناه بقوله: «ولم يريدوا أنّ الآية لم تتناول إلا هي، بل مقصودهم: أنّ مَن أعطى صدقة الفِطر وصَلّى صلاة العيد فقد تناولته وما بعدها، ولهذا كان يزيد بن حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج بصدقة، ويتصدّق بها قبل الصلاة، ولو لم يجد إلا بصلًا»

اختُلف في المراد بالتكاثر على قولين: الأول: أنه التكاثر بالمال. الثاني: أنه التكاثر بالعدد. وقد جمع ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٩٨) بين القولين، فقال: «يقول -تعالى ذِكْره-: ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربّكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٦٨٠)

سورة الفتح — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا﴾، وذلك أنّ الله تعالى أنزل بمكة على نبيّه ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللّات والعُزّى، ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد، ولولا أنّه ابتدع هذا الأمر مِن تلقاء نفسه لكان ربّه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتّبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى ابن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمّا محمد فلا علم له بما يُفعل به ولا بنا! إنّ هذا لهو الضّلال كلّ الضّلال. فشقّ على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما للنبي ﷺ: ألا تخبرنا ما اللهُ فاعل بك؟ فقال: «ما أحدث الله إلَيَّ أمرٌ بعد». فلما قدم المدينة قال عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين: كيف تتّبعون رجلًا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين، وعلم الله ما في قلوب المؤمنين مِن الحُزن، وعَلِم فَرَح المشركين من أهل مكة، وفَرَح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله تعالى بالمدينة بعد ما رجع النبي ﷺ من الحُدَيبية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، فنَسَخَت هذه الآية قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فأخبر الله تعالى نبيّه ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي ﷺ، فلمّا سمع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي ﷺ، وأنّ الله قد غفر له ذنبه، وأنّه يفتح له على عدّوه، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، قال لأصحابه: يزعم محمدٌ أنّ الله غفر له ذنبه، وينصره على عدّوه! هيهات هيهات، لقد بقي له من العدّو أكثر وأكثر، فأين فارس والروم وهم أكثر عدوًّا وأشدّ بأسًا وأعزّ عزيزًا؟! ولن يظهر عليهم محمد، أيظنّ محمد أنهم مِثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجًا، ولا علم له بما يُفعل به ولا بمن اتّبعه، إنّ هذا لهو الخلاف المبين. فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلت عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنة. وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح:٥]

اختلف في معنى الكتاب الموروث، وفي المراد بالمصطَفَين من عباد الله، وفي المراد بالظالم لنفسه، على أقوال: الأول: أن الكتاب: ما أنزله الله من الكتب قبل الفرقان. والمصطَفَيْن من عباده: أمة محمد ﷺ. والظالم لنفسه: أهل الإجرام منهم. الثاني: أن الكتاب: هو شهادة أن لا إله إلا الله. والمصطَفَيْن: هم أمة محمد ﷺ. والظالم لنفسه منهم: هو المنافق، وهو في النار؛ والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة. ورجَّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٣٧٣-٣٧٤) مستندًا إلى دلالة السياق واللغة والعقل والسنة القول الأول، وهو قول ابن مسعود من طريق شقيق، وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -جلَّ ثناؤه- قال لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ثم أتْبَع ذلك قوله: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾، فكان معلومًا -إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنًى من قومٍ إلى آخرين، ولم تكن أمَّةٌ على عهد نبيِّنا ﷺ انتقل إليهم كتابٌ من قومٍ كانوا قبلهم غير أمَّته- أن ذلك معناه. وإذ كان ذلك كذلك فبيِّنٌ أن المصطَفَيْن من عباده هم مؤمنو أمَّته؛ وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي -التي هي دون النفاق والشرك عندي- أشْبَهُ بمعنى الآية مِن أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله -تعالى ذِكْره- أتْبَع هذه الآية قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾، فعَمَّ بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة». ثم قال (١٩‏/‏٣٧٥): «وقد روي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا مِن ذلك أخبار، وإن كان في أسانيدها نظر، مع دليل الكتاب على صحته، على النحو الذي بيَّنتُ». وذكر حديث أبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري. ورجَّح ابنُ تيمية (٥‏/‏٣١١-٣١٢) وكذا ابنُ كثير (١١‏/‏٣٢٣)، وابن القيم (٢‏/‏٣٥٢-٣٥٤) استنادًا إلى دلالة ظاهر الآية، والسنة، والسياق، والعقل أنّ الظالم لنفسه من هذه الأمة، فقال ابنُ كثير: «والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طُرُق يشد بعضها بعضًا...»، ثم أورد حديث أبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وما في معناهما من الأحاديث والآثار، ثم علَّق بقوله: «فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام، وإذا تقرر هذا فإنّ الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة». وقال ابنُ القيم بعد أن ذكر الأحاديث والآثار الدالة على هذا المعنى: «فهذه الآثار يشد بعضُها بعضًا، وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها، وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا تعدل عنها». وذكر ابنُ تيمية أن القول الجامع «أن الظالم لنفسه: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور. والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات: بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق». ثم ذكر أنواعًا تدخل تحت كلٍّ منها

قال ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٢٤-٥٢٥) مبيّنًا معنى الآية استنادًا إلى أقوال السلف، واللغة: ""قالت الإنس للجن: إنكم -أيها الجن- كنتم تأتوننا مِن قِبَلِ الدِّين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القوة والقدرة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:إذا ما رايةٌ رُفِعَت لمجدٍ تَلَقَّاها عَرابةُ باليمينِيعني: بالقوة والقدرة"". وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٢٧٨-٢٨٠ بتصرف): ""اضطرب المتأولون في معنى قولهم: ﴿عن اليمين﴾، وعَبَّر ابن زيد وغيره عنه بـ:طريق الجنة والخير. ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى لا تختص باللفظة، وبعضهم نحا في تفسير الآية إلى ما يختصها، والذي يتحصل من ذلك معانٍ، منها: أن يريد بـ﴿اليمين﴾: القوة والشدة، فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم، وتحملوننا على طريق الضلالة بمتابعة منكم في شدة. فعَبَّر عن هذا المعنى بـ﴿اليمين﴾ كما قالت العرب: بيدين ما أورد. وكما قالوا: اليد -في غير موضع- عن القوة، وقد ذهب بعض الناس ببيت الشماخ هذا المذهب، وهو قوله:إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينفقالوا: معناه: بقوة وعزيمة، وإلا فكل أحد يتلقاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضًا فلما استعار الراية للمجد فكذلك لم يرد باليمين الجارحة. ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تأتوننا من الجهة التي يحسِّنها تمويهكم وإغواؤكم، ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين التي نتيمَّن بالسانح الذي يجيؤنا من قِبَلِها... فكأنهم شبهوا أقوال هؤلاء المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة، كأن التمويه في هذه الغوايات قد أظهر فيها ما يوشك أن يُحمد به. ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تأتوننا -أي: تقطعون بنا- عن أخبار الخير واليمن. فعَبَّر عنها بـ﴿اليمين﴾؛ إذ اليمين هي الجهة التي يتيمن بكل ما كان منها وفيها. ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تجيئوننا من جهة الشهوات وعدم النظر، والجهة الثقيلة من الإنسان وهي جهة اليمين منه؛ لأن كبده فيها، وجهة شماله فيها قلبه، وهي أخف، وهذا معنى قول الشاعر:تركنا لهم شق الشمالأي: نزلنا لهم عن موضع الهروب؛ لأن المنهزم إنما يرجع على شقه الأيسر؛ إذ هو أخف شقيه، وإذ قلب الإنسان في شماله، وثم نظره، فكأن هؤلاء كانوا يأتون من جهة الشهوات والثقل... وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين، وهو قَلِقٌ مع إغواء بني آدم. وقيل: المعنى: تحلفون لنا، وتأتوننا إتيان من إذا حلف صدقناه... فاليمين على هذا: القَسَم«. ثم بيَّن أن بعض الناس ذهبوا في ذكر إبليس جهات بني آدم في قوله: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] إلى ما ذكره من جهة الشهوات، فقالوا: ما بين يديه هي مغالطته فيما يراه، وما خلفه هو ما يسارق فيه الخفاء، وعن يمينه هو جانب شهواته، وعن شماله هو موضع نظره بقلبه وتحرزه، فقد يغلبه الشيطان فيه، ثم علَّق بقوله:»وهذا فيمن جعل هذا في جهات ابن آدم الخاصة بيديه، ومِن الناس مَن جعلها في جهات أموره وشؤونه؛ فيتسع التأويل على هذا""

اختُلف في معنى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ الآيةَ على قولين: الأول: أن المُمسَكَة: مَن تُوُفِّيَت وفاة الموت، والمُرسَلَة: من توفيت وفاة النوم. وهو قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير وما في معناه، وقول سعيد بن جبير، والسُّدّي، وابن زيد. الثاني: أن المُمسَكَة والمُرسَلَة في الآية كلاهما توفّى وفاة النوم، وأما التي تُوفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث. ووجَّه ابنُ القيم (٢‏/‏٣٩٠) القول الأول بقوله: «والمعنى على هذا القول: أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفّاها الوفاة الأخرى». وعلَّق ابن تيمية (٥‏/‏٤٠١) على القول الثاني بقوله: «وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن الله قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفّاها بالنوم، وأما التي توفّاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال». ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية أنّ الآية تتناول النوعين، فقال: «والتحقيق أن الآية تتناول النوعين؛ فإن الله ذكر توفيتين: توفّي الموت، وتوفّي النوم، وذكر إمساك المُتوفاة وإرسال الأخرى. ومعلوم أنه يُمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويُرسل من لم تمت. وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يُمسكها في أحد التوفيتين ويُرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلّف». وبيَّن ابنُ القيم (٢‏/‏٣٩٠-٣٩١) أن الذي يترجَّح من القولين هو القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «والذي يترجَّح هو القول الأول؛ لأنه سبحانه أخبر بوفاتين، وفاة كبرى وهى وفاة الموت، ووفاة صغرى وهى وفاة النوم، وقسَم الأرواح قسمين: قسمًا قضى عليها بالموت فأمسكها عنده وهي التي توفّاها وفاة الموت، وقسمًا لها بقية أجل فردّها إلى جسدها إلى استكمال أجلها، وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولًا، فهذه مُمسَكَة وهذه مُرسَلَة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفّاها في منامها، فلو كان قد قسَم وفاة النوم إلى قسمين: وفاة موت ووفاة نوم، لم يقل: ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ فإنها من حين قُبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾. ولمن نصر هذا القول أن يقول قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ بعد أن توفاها وفاة النوم، فهو سبحانه توفاها أولًا وفاة نوم، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك». كما قوّى بعد ذلك تناول الآية للنوعين كما اختار ابنُ تيمية

سورة المائدة — الآية ١٠٦

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ الآية كلها، قال: هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة، وكانت الأرض كلها كفرًا، فقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ من المسلمين، ﴿أو آخران من غيركم﴾ من غير أهل الإسلام، ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ قال: كان الرجل يخرج مسافرًا، وهم -العرب- أهل كفر، فعسى أن يموت في سفره، فيسند وصيته إلى رجلين منهم، ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾ في أمرهما، إذا قال الورثة: كان مع صاحبنا كذا وكذا. فيقسمان بالله: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾ إنّما حلفا على باطل وكذب ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ بالميت، ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين﴾ ذكرنا أنّه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يكن معه. قال: ثم عثر على بعض المتاع عندهما، فلما عثر على ذلك ردت القسامة على وارثه، فأقسما، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان﴾ فتبطل أيمانهم، ﴿واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ الكاذبين الذين يحلفون على الكذب

سورة الكهف — الآية ٨٣

عن سليمان الأشج صاحب كعب الأحبار: أنّ ذا القرنين كان رجلًا طوّافًا صالحًا، فلما وقف على جبل آدم الذي هبط عليه ونظر إلى أثره هاله، فقال له الخضِر -وكان صاحب لوائه الأكبر-: ما لَكَ أيها الملِك؟ قال: هذا أثَرُ الآدميين، أرى موضع الكفين والقدمين وهذه القرحة، وأرى هذه الأشجار حوله قائمة يابسة يسيل منها ماء أحمر، إنّ لها لَشأنًا. فقال له الخضِر -وكان قد أعطي العلوم والفهم-: أيها الملك، ألا ترى الورقة المُعَلَّقة مِن النخلة الكبيرة؟ قال: بلى. قال: فهي تخبرك بشأن هذا الموضع. وكان الخضِر يقرأ كل كتاب، فقال: أيها الملك، أرى كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ مِن آدم أبي البشر، أُوصيكم ذريتي وبناتي أن تحذروا عدُوِّي وعدُوَّكم إبليس، الذي كان يُلِينُ كلامه، وفُجورُ أمنيته، أنزلني من الفردوس إلى تربة الدنيا، فأُلْقِيت على موضعي هذا لا يُلْتَفَتُ إلَيَّ مائتي سنة بخطيئة واحدة، حتى رست في الأرض، وهذا أثري، وهذه الأشجار من دموع عيني، فعَلَيَّ في هذه التربة أُنزِلت التوبة، فتوبوا من قبل أن تندموا، وبادروا من قبل أن يُبادر بكم، وقدِّموا من قبل أن يقدم بكم. فنزل ذو القرنين، فمسح موضع جلوس آدم، فإذا هو ثمانون ومائة ميل، ثم أحصى الأشجار، فإذا هي تسعمائة شجرة، كلها من دموع آدم نبتت، فلما قتل قابيل هابيل تحولت يابسة، وهي تبكي دمًا أحمر، فقال ذو القرنين للخضِر: ارجع بنا، فلا طلبت الدنيا بعدها

سورة الأنبياء — الآية ٣٤

عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا قُبِض رسولُ الله ﷺ كان أبو بكر في ناحية المدينة، فجاء، فدخل على رسول الله ﷺ وهو مُسَجًّى، فوضع فاه على جبين رسول الله ﷺ، وجعل يُقَبِّلُه، ويبكي، ويقول: بأبي وأمي، طِبتَ حَيًّا، وطِبْتَ ميِّتًا. فلمّا خرج مرَّ بعمر بن الخطاب، وهو يقول: ما مات رسولُ الله ﷺ، ولا يموت حتى يقتل اللهُ المنافقين، وحتى يُخْزِي اللهُ المنافقين. قال: وكانوا قد استبشروا بموتِ النبي ﷺ، فرفعوا رؤوسهم، فقال: أيها الرجل، اربَع على نفسك، فإنّ رسول الله ﷺ قد مات؛ ألم تسمع الله يقول: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر:٣٠]، وقال: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾. قال: ثم أتى المنبر، فصعده، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن كان محمدٌ ﷺ إلهكم الذي تعبدون فإنّ محمدًا قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت. ثم تلا: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران:١٤٤] حتى ختم الآية، ثم نزل، وقد استبشر المسلمون بذلك، واشْتَدَّ فرحُهم، وأخذت المنافقين الكآبةُ. قال عبد الله بن عمر: فوالَّذي نفسي بيده، لكأنّما كانت على وُجوهنا أغطيةٌ فكُشِفَت

سورة الزمر — الآية ٣٠

عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا قُبض رسول الله ﷺ كان أبو بكر في ناحية المدينة، فجاء، فدخل على رسول الله ﷺ وهو مُسجّىً، فوضع فاه على جبين رسول الله ﷺ، وجعل يُقَبِّله ويبكي، ويقول: بأبي وأمي، طِبتَ حيًّا وطِبتَ ميتًا. فلما خرج مرَّ بعمر بن الخطاب وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ، ولا يموت حتى يقتل اللهُ المنافقين، وحتى يُخزي الله المنافقين. قال: وكانوا قد استبشروا بموت النبي ﷺ، فرفعوا رؤوسهم، فقال: أيها الرجل، ارْبَع على نفسك، فإن رسول الله ﷺ قد مات؛ ألم تسمع الله يقول: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾، وقال: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء:٣٤]. قال: ثم أتى المنبر، فصعده، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن كان محمدٌ ﷺ إلهكم الذي تعبدون فإنّ محمدًا قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت. ثم تلا: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ حتى ختم الآية [آل عمران:١٤٤]، ثم نزل، وقد استبشر المسلمون بذلك، واشتد فرحهم، وأخذت المنافقين الكآبة. قال عبد الله بن عمر: فوالذي نفسي بيده، لكأنّما كانت على وجوهنا أغطية فكُشِفت