انتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٣٧) مستندًا إلى السياق ما جاء في قول يحيى بن سلام وغيره، فقال: «وقيل: المعنى: ما لبثوا في الدنيا، كأنهم استَقَلُّوها لمّا عاينوا أمر الآخرة. وهذا يُضْعِفه قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾؛ إذ لو أرادوا تقليل الدنيا بالإضافة إلى الآخرة لكان منزعًا شديدًا، وكان قولهم: ﴿غير ساعَةٍ﴾ تجوُّزًا في القدر والموازنة»

علَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٠٠) على هذا القول الذي قاله قتادة، وابن زيد، والحسن، فقال: «وقول قتادة لطيف المعنى جدًّا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنّه تعالى من لطفه ورحمته بخلْقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذّكر الحكيم -وهو القرآن-، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي مَن قَدّر هدايته، وتقوم الحجة على مَن كَتب شقاوته»

قال ابنُ عطية (٢‏/‏٢١٢) بعد ذِكْرِه لِمَن جعل حَصْرَ يحيى عليه السلام لأنّه لم يكن له إلا مِثْلُ الهُدْبَة، ومَن علَّله بكونه عِنِّينًا لا يأتي النساء، ونقله لقول ثالث يقول بأنّ حصر يحيى كان بمجاهدته نفسَه، وأنّه كانت به القدرة على إتيان النساء: «قالوا: وهذا أمدحُ له، وليس له في التأويلين الأوَّلَيْن مدحٌ، إلا بأنّ الله يسَّر له شيئًا لا تَكَسُّب له فيه». ورجَّح ابنُ كثير (٣‏/‏٥٧) أنّ مدح يحيى عليه السلام بأنّه حصور ليس معناه: أنّه لا يأتي النساء، بل معناه: أنّه معصومٌ عن الفواحش والقاذورات؛ مستنِدًا إلى دلالة عقْلِيَّة، وذلك أنّ عدم القدرة على النِّكاح نَقْصٌ، ثُمَّ قال بعد ذلك: «ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانِهِنَّ، وإيلادِهِنَّ، بل قد يُفْهم وجود النسل له من دُعاء زكريا المتقدم؛ حيث قال: ﴿هب لي من لدنك ذرية طيبة﴾. كأنه قال: ولدًا له ذُرِّيَّةٌ ونَسْلٌ وعَقِب»

رجّح ابنُ جرير (٥‏/‏٦١٦-٦١٧) هذا القول مستندًا إلى اللغة، والعموم، قال:«وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء: أن ذلك على قدر الطاقة؛ لأن السبيل في كلام العرب: الطريق، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانع له منه من زمانه، أو عجز، أو عدو، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، وضعف عن المشي، فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه، فإن لم يكن واجدًا سبيلًا، أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقًا الحج بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه، فهو ممن لا يجد إليه طريقًا، ولا يستطيعه؛ لأن الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه، ومن كان عاجزًا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل. وإنما قلنا: هذه المقالة أوْلى بالصحة مما خالفها؛ لأن الله عز وجل لم يخصص إذ ألزم الناس فرض الحج بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه، فذلك على كل مستطيع إليه سبيلًا بعموم الآية»

سورة النساء — الآية ٤٢

عن أبي أمامة الباهلي -من طريق سليمان بن حبيب المحاربي- أنّه قال:... إنّ في جهنم جسرًا، له سبع قَناطِر، على أوسطهن القضاء، فيُجاء بالعبد، حتى إذا انتهى إلى القَنطَرَة الوسطى قيل له: ماذا عليك مِن الدَّيْن؟ وتلا هذه الآية: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾. قال: فيقول: يا ربِّ، عَلَيَّ كذا وكذا. فيُقال له: اقضِ دَيْنَك. فيقول: ما لي شيءٌ، وما أدري ما أقضي. فيُقال له: خذوا من حسناته. فما زال يُؤخذ من حسناته حتى ما تبقى له حسنة، حتى إذا أُفْنِيَت حسناتُه قيل: قد فَنِيَت حسناته. يُقال: خذوا من سيئات مَن يطلبه فركبوا عليه. فقد بلغني: أنّ رجالا يجيئون بأمثال الجبال من الحسنات، فما يزال يُؤخَذ لِمَن يطلبهم حتى ما تبقى لهم حسنة

سورة الكهف — الآية ٥٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: إنّ إبليس كان مِنأشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازِنًا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له مجمع البحرين -بحر الروم وفارس، أحدهما قِبَل المشرق، والآخر قبل المغرب-، وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه مع قضاء الله أنّه يرى أنّ له بذلك عظمةً وشرفًا على أهل السماء، فوقع في نفسه من ذلك كِبْرٌ لم يعلم به أحدٌ إلا الله، فلما كان السجود حين أمر الله أن يسجد لآدم استخرج الله كبره عند السجود، فلعنه إلى يوم القيامة، و﴿كان من الجن﴾. قال عبد الله بن عباس: إنما سمي بالجنّان؛ لأنه كان خازنًا عليها.

سورة الأنفال — الآية ١

عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حَجّاج- قال: بلغني: أن النبي ﷺ كان يُنَفِّل الرجل على قدر جِدِّه وغنائه على ما رأى، حتى إذا كان يوم بدر وملأ الناس أيديهم غنائم، قال أهل الضعف من الناس: ذهب أهل القوة بالغنائم. فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فنزلت: ﴿قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾، لِيَرُدَّ أهل القوة على أهل الضعف

سورة الرعد — الآية ٥

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في الآية، قال: إن تعجب من تكذيبهم، وهم رأَوا من قدرة الله وأمره، وما ضرَب لهم مِن الأمثال، وأراهم من حياة الموتى والأرض الميتة؛ فتعجَّب من قولهم: ﴿أئذا كنّا ترابًا أئنا لفي خلقٍ جديدٍ﴾. أو لا يرون أنّه خلقهم مِن نطفةٍ؟ فالخلقُ مِن نطفةٍ أشدُّ مِن الخلقِ من ترابٍ وعظامٍ

سورة الكهف — الآية ٨٢

عن عمر مولى غُفْرةَ -من طريق عبد الله بن عياش-: أنّ الكنز الذي قال اللهُ في السورة التي يُذكر فيها الكهف: ﴿وكان تحته كنز لهما﴾، قال: كان لوح من ذهب مُصْمَت، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عَجَبٌ ممن عرف الموت ثم ضحِك! وعَجَبٌ ممن أيقن بالقدر ثم نصِب! وعَجَبٌ ممن أيقن بالموت ثم أمِن! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله

سورة الأنبياء — الآية ١٠٠

قال يحيى بن سلّام: قال قتادة: إنّ أهل النار يدعون مالكًا، فيَذَرُهم مقدار أربعين عامًا لا يجيبهم، ثم يقول: ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف:٧٧]. ثم يدعون ربهم، فيذرهم قدر عمر الدنيا مرتين، ثم يجيبهم: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون:١٠٨]. قال: فما نبسوا بعدها بكلمة، ولا كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. فشبه أصواتهم بأصوات الحمير، أوله زفير وآخره شهيق