رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٢٤-٤٢٥ بتصرف) ما حكاه السدي في تفسيره عن ابن مسعود، وعن ابن عباس -من طريق أبي صالح-، وعن ناس من الصحابة مِن أنّ الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِبَ لهم من الأمثال في سورة البقرة، وعَلَّل ابن جرير ذلك بدلالة السياق، وأن «الله -جَلَّ ذِكْرُه- أخبر عبادَه أنّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، عقيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السُّوَر غيرها. فلأن يكون هذا القول... جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة أحَقُّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضُرِب لهم من الأمثال في غيرها من السور». وارتضى ترجيحَه ابنُ كثير (١/٣٢٥) بقوله: «وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمَسُّ بالسورة، وهو مناسب». وانتقد ابنُ جرير (١/٤٢٥-٤٢٦) ما يمكن أن يَظُنَّه ظانٌّ من أنه إذا كانت هذه الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة، فالواجب أن يكون ذلك في بقية الأمثال في غيرها من السور؛ لموافقتها لها في المعنى. وذكرَ أنّ الأمر بخلاف ما ظن؛ لكون الآية خبرًا منه -جَلَّ ذِكْرُه- أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها؛ ابتلاءً بذلك عباده؛ ليميز به أهلَ الإيمان والتصديق به من أهلِ الضلال والكفر به، لا أنّه -جَلَّ ذِكْرُه- قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لَمّا كانت أضعف الخلق خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة
عن معاذ بن جبل، قال: شكوتُ إلى النبي ﷺ دَيْنًا كان عَلَيَّ، فقال: «يا معاذ، أتُحِبُّ أن يُقْضى دينُك؟». قلتُ: نعم. قال: «قل: ﴿اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾، رحمن الدنيا والآخرة، ورحيمهما، تُعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقضِ عَنِّي دَيْنِي. فلو كان عليك مِلْءُ الأرض ذهبًا أُدِّيَ عنك»
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ لِمُعاذ: «ألا أُعَلِّمُك دُعاءً تدعو به لو كان عليك مِثْلُ جبلِ أُحُدٍ دَيْنًا لأدّاه اللهُ عنك! قُل، يا معاذ: ﴿اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمَهما، تعطيهما مَن تشاء، وتمنع منهما مَن تشاء، ارحمني رحمةً تغنيني بها عن رحمةِ مَن سواك»
بيَّن ابن جرير (٢/٣٣٤) أن معنى (ما) في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ -على قول السّدّيّ- بمعنى: الذي. ثم قال مُعَلِّقًا على هذا القول: «فمعنى الآية على تأويل هذا القول: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطينُ في ملك سليمان الذي أُنزِل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وقال قائلو هذه المقالة: إن الله أنزل السحرَ على هاروت وماروت ببابل، وهما مَلَكان من ملائكة الله»
ذكر ابن تيمية (٧/١٧٠) خلافًا في نزول السورة على قولين: الأول: أنها نزلت بمكة. الثاني: أنها نزلت بالمدينة، حكاه عن ابن عباس -كماسيأتي في نزول السورة-، وقتادة. وعلّق على القول الثاني بقوله: «وهذا القول يناسب قول مَن فسّر: ﴿والعاديات﴾ بخَيْل المجاهدين»
عن عثمان، عن زيد بن أسلم: أنّ رسول الله ﷺ سمع أبا بكر وهو يصلي من الليل وهو يخفي صوته، وسمع عمر وهو يجهر صوته، وسمع بلالًا وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه، فقال لأبي بكر: «لِمَ تخفي صوتك؟». قال: إن الذي أناجي ليس ببعيد. فقال: «صدقت». وقال لعمر: «لم تجهر صوتك؟». قال: أرضي الرحمن، وأُرغِم الشيطان، وأُوقِظ الوَسْنان. قال: «صدقت». وقال لبلال: «لِم تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؟». فقال: أخلط طيبًا بطيب. قال: «صدقت». قال: فأمر أبا بكر أن يرفع من صوته، وأمر عمر أن يخفض من صوته، وأمر بلالًا إذا أخذ في سورة أن يفرغ منها. وأنزل الله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾
قال يحيى بن سلّام: كان طالوت من سِبْطٍ قد عملوا ذنبًا عظيمًا، فنُزِع منهم الملك في ذلك الزمان؛ فأنكروه، ﴿وقالوا أنى يكون له الملك علينا﴾ وهو من سِبط الإثم؟! يعنون: الذنب الذي كانوا أصابوا، ﴿ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: فخرج نبو مِن عند يوسف بما أفتاهم به مِن تأويل رؤيا الملك، حتى أتى الملك، فأخبره بما قال، فلمّا أخبره بما في نفسه بمثل النهار، وعرف أنّ الذي قال كائِن كما قال، قال: ﴿ائتوني به﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم-من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾، قال: ليس في دين الملك أن يُؤْخَذ السارِقُ بسرقته. قال: وكان الحُكْمُ عند الأنبياء -يعقوب وبنيه- أن يُؤْخَذَ السارِق بسرقته عبدًا يُسْتَرَقُّ. (ز)
عن عروة، قال: كُنّا قُعودًا عند عبد الملك بن مروان حين قال: قال كعب: إنّ الصخرة موضع قدم الرحمن يوم القيامة. فقال: كذب كعب، إنما الصخرة جبل من الجبال، إن الله يقول: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا﴾. فسكت عبد الملك