عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قال: أُخبِرتُ أنّ قوله: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ إذا مَرَّ بهم الطائرُ يشتهُونه قالوا: سبحانَك، اللهمَّ. ذلك دعاؤُهم به، فيأتِيهم الملَكُ بما اشْتَهَوا، فإذا جاء الملَكُ بما يشتهون، فيُسَلِّمُ عليهم، فيردُّون عليه، فذلك قولُه: ﴿وتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾. فإذا أكَلوا قَدْرَ حاجتِهم قالوا: الحمدُ لله ربِّ العالمين. فذلك قوله: ﴿وءاخِرُ دَعْواهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ العالمَينَ﴾
قال يحيى بن سلّام: بلغني: أنّهما لم يفترقا حتى بعث الله طيرًا، فطار إلى المشرق، ثم طار إلى المغرب، ثم طار نحو السماء، ثم هبط إلى البحر، فتناول مِن ماء البحر بمنقاره وهما ينظران. فقال الخضِر لموسى: أتعلم ما يقول هذا الطير؟ يقول: وربِّ المشرق، وربِّ المغرب، وربِّ السماء السابعة، وربِّ الأرض السابعة، ما عِلْمُك -يا خضِرُ- وعِلْمُ موسى في عِلْمِ الله إلا قدر هذا الماء الذي تناولته من البحر في البحر
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن أبي رباح- قال: كان اللوحُ الذي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿وكان تحته كنز لهما﴾ حجارةً منقورًا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبًا لمن يعلم أن القدر حق كيف يحزن؟! وعجبًا لمن يعلم أنّ الموت حق كيف يفرح؟! وعجبًا لمن يرى الدنيا وغرورها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله، محمد رسول الله
عن علي [بن أبي طالب] -من طريق حارثة بن مُضَرِّب- قال: لَمّا أُمِر إبراهيمُ ببناء البيت خرج معه إسماعيلُ وهاجر، فلمّا قدِم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثلَ الغمامة، فيه مثل الرأس، فكلَّمه، فقال: يا إبراهيم، ابْنِ على ظِلِّي -أو: على قدْرِي-، ولا تزِد ولا تنقص. فلمّا بنى خرج، وخلَّف إسماعيلَ وهاجر، وذلك حين يقول الله: ﴿واذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾الآية
عن مجاهد بن جبر، قال: قال الله لإبراهيم عليه السلام: قُمْ، فابنِ لي بيتًا. قال: أيْ رَبِّ، أين؟ قال: سأخبرك. فبعث الله إليه سحابةً لها رأس، فقالت: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تَخُطَّ قَدْرَ هذه السحابة. قال: فجعل إبراهيمُ ينظر إلى السحابة ويخط، فقال الرأس: قد فعلتَ؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فحفر إبراهيمُ، فأبرز عن أساس ثابت مِن الأرض، فبنى إبراهيم...
عن عبد الله بن عباس -من طريق كريب- قال: ما أصاب داودَ ما أصابه بعد القَدَر إلا مِن عُجْبٍ عَجِب بنفسه، وذلك أنه قال: يا رب، ما من ساعة مِن ليل ونهار إلا وعابد مِن آل داود يعبدك؛ يصلي لك، أو يسبِّح، أو يكبِّر. وذكر أشياء، فكره الله ذلك، فقال: يا داود، إنّ ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويتَ عليه، وجلالي؛ لأكِلَنَّكَ إلى نفسِك يومًا. قال: يا ربِّ، فأخبرني به. فأصابته الفتنةُ ذلك اليوم
عن عمران بن حصين، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويَكدحون فيه، شيء قد قُضي عليهم ومضى عليهم في قدَرٍ قد سبق، أو فيما يَستقبلون مما أتاهم به نبيّهم واتُخذتْ عليهم به الحُجّة؟ قال: «بل شيء قُضي عليهم». قال: فلِمَ يعملون إذًا؟ قال: «مَن كان الله خَلَقه لواحدة مِن المنزلتين يهيّئه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾»
ذكر ابنُ تيمية (٦/١١٩) نحو قول مجاهد عن ابن عباس، ثم انتقده، فقال: «وأما التفسير المذكور عن ابن عباس فالذين ذكروه عنه جعلوا هذه المعرفة هي المعرفة الفطرية التي يُقرّ بها المؤمن والكافر، ومقصودهم بذلك: أن جميع الإنس والجن قد وُجد منهم ما خُلقوا له من العبادة التي هي مجرد الإقرار الفطري، وجعلوا ذلك فِرارًا من احتجاج القدرية بهذه الآية، ولا ريب أنّ هذا ضعيف، ليس المراد أنّ الله خَلقهم لمجرد الإقرار الفطري»
اختُلف في قراءة قوله: ﴿قدروها تقديرًا﴾؛ فقرأ قوم: ﴿قدروها﴾ بفتح القاف، وقرأ آخرون بضمها. وذكر ابنُ جرير (٢٣/٥٥٩) أنّ قراءة الفتح بمعنى: قَدّرها لهم السُّقاة الذين يطوفون بها عليهم. وأنّ قراءة الضم بمعنى: قُدِّرتْ عليهم، فلا زيادة فيها ولا نقصان. ورجَّح (٢٣/٥٦٠) قراءة الفتح مستندًا إلى إجماع القُراء، فقال: «والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها فتح القاف؛ لإجماع الحُجّة من القُراء عليه»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ بناءً -أيضًا- على اختلافهم في معنى: «الشعائر»؛ فمن قال بأن الشعائر: هي البُدْن: قال بأن المعنى: ثم محل البدن إلى أن تبلغ مكة، وهي التي بها البيت العتيق. ومن قال بأن «الشعائر»: هي مناسك الحج، قال بأن المعنى: ثم مَحِل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق، وهو أن يطوفوا به يوم النحر بعد قضاء المناسك. وقيل: إن محل منافع أيام الحج إلى البيت العتيق بانقضائها. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٥٤٩) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ المعنى: «ثم محل الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمًّى إلى البيت العتيق، فما كان مِن ذلك هديًا أو بُدْنًا فبموافاته الحرمَ في الحرمِ، وما كان مِن نُسُك فبالطواف بالبيت»