اختُلِف في الروح المسئول عنه على أقوال: الأول: أرواح بني آدم. الثاني: ملك له عشرة الآف جناح. الثالث: طائفة من الملائكة على صور بني آدم. الرابع: أنه جبريل ﷺ. الخامس: ملك له سبعون ألف وجه. السادس: أنه القرآن. السابع: طائفة مع الملائكة ولا تراهم الملائكة. الثامن:عيسى بن مريم. ذكره ابن عطية (٥/٥٣٥). وذكر أن الجمهور على القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي [الوارد في نزول الآية]، وبيّن أن الرُّوح على هذا القول اسم جنس، ورجَّحه، وانتقد البقية مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا هو الصواب، وهو المشْكل الذي لا تفسير له... وهذه كلها أقوال مفسِّرة، والأول أظهرها وأصوبها». وذكر ابنُ تيمية (٥/٢٤٥) أنه على القول بأن المراد بالروح: أرواح بني آدم؛ فإن النص لم يخبر بكيفيتها؛ لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله، وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان، فلا يمكن تعريفها بكيفيتها، وإن كانت لها كيفية في نفسها. وذكر ابنُ القيم (٢/١٥٣) أن أكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم، بل الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم، وساق حديث ابن مسعود [الوارد في نزول الآية]، ثم رجَّح (٢/١٥٣-١٥٤بتصرف) القول بأنه مَلَك، وانتقد القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، والقرآن، فقال: «ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي، وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس، أما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس مِن أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة... ولم تقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس، قال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر:٢٧]، ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة:٢]، ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران:١٨٥]، وأما السنة فجاءت بلفظ النفس والروح»
اختلف السلف في قوله: ﴿عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ على أقوال: الأول: أنهم سألوا ربهم تعجيل حظهم من العذاب الذي أعد لهم في الآخرة في الدنيا. الثاني: أنهم سألوا ربهم تعجيل أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد ﷺ فيؤمنوا حينئذ به ويصدقوه. الثالث: أنّ مسألتهم نصيبهم من الجنة، ولكنهم سألوا تعجيله لهم في الدنيا. الرابع: أنهم سألوا ربهم تعجيل الرزق. الخامس: سألوا أن يعجل لهم كتبهم في الدنيا، لينظروا بأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم؟ استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله. ورجّح ابنُ جرير (٢٠/٣٩) مستندًا إلى اللغة، والسياق، ودلالة العقل: أنهم إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ حظوظهم مِن الخير أو الشر على وجه الاستهزاء بوعيد الله، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ القِطَّ هو: ما وصفت من الكتب بالجوائز والحظوظ، وقد أخبر الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قولَه لنبيه: ﴿اصبر على ما يقولون﴾، فكان معلومًا بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبي ﷺ لو لم تكن على وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع الأمر بالصبر عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاء، وكان فيه لرسول الله ﷺ أذًى؛ أمره الله بالصبر عليه حتى يأتيه قضاؤه فيهم، ولما لم يكن في قوله: ﴿عجل لنا قطنا﴾ بيان أيِّ القطوط أراد بهم، لم يكن لنا توجيه ذلك إلى أنه معنيٌّ به القطوط ببعض معاني الخير أو الشر، فلذلك قلنا إنّ مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من الخير والشر». ووافقه ابنُ عطية (٧/٣٣٠) مستندًا إلى التاريخ، ودلالة العقل، فقال عَقِب ذكره الأقوال في الآية: «وعلى كل تأويل فكلامُهم خرج على جهة الاستخفاف والهزء، ويدل على ذلك ما علم مِن كفرهم واستمر، ولفظ الآية يعطي إقرارًا بيوم الحساب». وذكر ابنُ كثير (١٢/٧٨) ترجيحَ ابن جرير، وعلّق عليه قائلًا: «وهذا الذي قاله جيِّد، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد»
اختُلف في الشهيد على قولين: الأول: أنه من المشاهدة وهي الحضور. الثاني: أنه شهيد من الشهادة، وفيه على هذه أقوال: الأول: أنه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من الكتب المنزلة. الثاني: أنه شاهد على صحة ما معه من الإيقان. ذكره ابنُ القيم (٣/١٥). الثالث: أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة. ذكره ابن القيم. ورجَّح ابنُ القيم -مستندًا إلى اللغة- القول بأنه من المشاهدة، فقال: «والصواب القول الأول؛ فإن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ جملة حالية؛ الواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمع في هذه الحال، وهذا يقتضى أن يكون حال إلقائه السمع شهيدًا، وهذا هو من المشاهدة والحضور». وانتقد (٣/١٥-١٦) القول بأنه من الشهادة مستندًا للعموم، وأحوال النزول، ودلالة العقل، واللغة، فقال: «ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة أو الدنيا لما كان لتقييدها بإلقاء السمع معنًى؛ إذ يصير الكلام: إنّ في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقي السمع حال كونه شاهدًا بما معه في التوراة أو حال كونه شاهدًا يوم القيامة. ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية. وأيضًا فالآية عامة في كلّ مَن له قلب وألقى السمع فكيف يُدّعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب الذين عندهم شهادة مِن كتبهم على صفة النبي؟ وأيضًا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب، ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع، فكيف يقال: هي في أهل الكتاب؟! فإن قيل: المختص بهم قوله: ﴿وهو شهيد﴾ فهذا أفسد وأفسد؛ لأن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ يرجع الضمير فيه إلى جملة مَن تقدم، وهو مَن له قلب أو ألقى السمع، فكيف يُدّعى عوده الى شيء غايته أن يكون بعض المذكور أولًا، ولا دلالة في اللفظ عليه. وأيضًا فإن المشهود به محذوف، ولا دلالة في اللفظ عليه، فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور، فإنه لايقتضى مفعولًا مشهودًا به، فيتم الكلام بذكره وحده»
اختُلف في النازعات ما هي؟ وما تَنزع؟ على أقوال: الأول: أنها الملائكة تَنزع نفوسَ بني آدم. الثاني: أنه الموت يَنزع النفوس. الثالث: أنها النُّجوم تَنزع من أفق إلى أفق. الرابع: أنها القسي تُنزع بالسهم. الخامس: أنها النفس حين تُنزع. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤/٥٩) هذه الأقوال، ورجّح العموم فيها، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أقسم بالنازعات غرقًا، ولم يخصص نازعة دون نازعة، فكلّ نازعة غرقًا فداخلة في قَسمه؛ مَلَكًا كان، أو موتًا، أو نجمًا، أو قوسًا، أو غير ذلك. والمعنى: والنازعات إغراقًا، كما يغرق النازع في القوس». ورجّح ابنُ القيم (٣/٢٤٩-٢٥٠ بتصرف) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «قلتُ: النازعات اسم فاعل من نزع، ويقال: نزع كذا إذا اجتذبه بقوة، ونزع عنه إذا خلّاه وتركه بعد ملابسته له، ونزع إليه إذا ذهب إليه ومال إليه. وهذا إنما تُوصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه، وأحقّ ما صدق عليه هذا الوصف الملائكة؛ لأنّ هذه القوة فيها أكمل، وموضع الآية فيها أعظم، فهي التي تُغرق في النزع إذا طلبتْ ما تنزعه، أو تنزع إليه، والنفس الإنسانية أيضًا لها هذه القوة». ووافقه ابنُ كثير (١٤/٢٣٨) بقوله: «والصحيح الأول، وعليه الأكثرون». ثم وجّه ابنُ القيم بقية الأقوال الواردة عن السلف، فقال: «والنُّجوم أيضًا تَنزع من أفق إلى أفق؛ فالنّزع حركة شديدة؛ سواء كانت من مَلَك، أو نفس إنسانية، أو نجم، والنفوس تَنزع إلى أوطانها وإلى مألفها، وعند الموت تَنزع إلى ربها المنايا تنزع النفوس، والقِسِيُّ تُنزع بالسهام، والملائكة تنزِع مِن مكان إلى مكان، وتَنزع ما وُكِلتْ بنَزعه، والخيل تَنزع في أعنّتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها. فالصفة واقعة على كلّ مَن له هذه الحركة التي هي آيةٌ مِن آيات الرّبّ تعالى؛ فإنه هو الذي خَلَقها، وخَلَق محلَّها، وخَلَق القوة والنفس التي بها تتحرك، ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل، وإن كانت الملائكة أحقَّ مَن تناوله هذا الوصف... وهذا أولى الأقوال»
قال محمد بن السائب الكلبي في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾: نزلت في وحشيِّ بن حرب وأصحابه، وذلك أنّه لَمّا قتل حمزةَ كان قد جُعِل له على قتله أن يُعْتَق، فلم يُوفَ له بذلك، فلمّا قدِم مكة نَدِم على صنيعه هو وأصحابُه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنّا قد ندِمنا على الذي صنعنا، وإنّه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ الآيات [الفرقان:٦٨]، وقد دعونا مع الله إلهًا آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتَّبعناك. فنزلت: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا﴾ الآيتين [الفرقان:٧٠-٧١]. فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلمّا قرأوا كتبوا إليه: إنّ هذا شرط شديدٌ، نخاف أن لا نعمل عملًا صالحًا. فنزل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فبعث بها إليهم، فبعثوا إليه: إنّا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة. فنزلت: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣]. فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبي ﷺ، فقَبِل منهم، ثم قال لوَحْشِيٍّ: أخبِرْني كيف قتلتَ حمزةَ؟ فلمّا أخبره قال: «ويْحَكَ، غيِّبْ وجهَك عَنِّي». فلَحِق وحْشِيٌّ بالشام، فكان بها إلى أن مات
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، قال: لَمّا فتح رسول الله ﷺ مَكَّةَ دعا عثمانَ بن طلحة بن أبي طلحة، فلما أتاه قال: «أرِنِي المفتاحَ». فأتاه به، فلما بسط يده إليه قدم العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، اجعله لي مع السِّقاية. فكفَّ عثمانُ يدَه، فقال رسول الله ﷺ: «أرني المفتاح، يا عثمان». فبسط يده يعطيه، فقال العباسُ مثلَ كلمته الأولى، فكفَّ عثمانُ يدَه، ثم قال رسول الله ﷺ: «يا عثمان، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح». فقال: هاكَ بأمانة الله. فقام، ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثالَ إبراهيم معه قِداحٌ يَسْتَقْسِمُ بها، فقال رسول الله ﷺ: «ما للمشركين، قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القِداح؟!». ثم دعا بجَفْنَةٍ فيها ماء، فأخذ ماءً، فغمسه، ثم غمس بها تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة، ثم قال: «يا أيها الناس، هذه القبلة». ثم خرج، فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل -فيما ذُكِر لنا- بِرَدِّ المفتاح، فدعا عثمانَ بن طلحة، فأعطاه المفتاح، ثم قال: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ حتى فرغ من الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أتى العباسَ رجالٌ من قريش، فيهم صفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، فقالوا: إنّ رسول الله قد أدنى دوننا هذه العِبِدّى وسفلة أصحابه، فلو كلمتَه في ذلك. فكلمه العباس في ذلك، فقال: «يا عباس، ما أحَبَّ إلَيَّ ما سرَّهم، ولكن ليس إلَيَّ من ذلك شيء». فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى آخر الآية [الأنعام:٥٢]، فدعا العباس، فتلاها عليه، فأتاهم، فأبلغهم، قالوا: فكلِّمه فليجعل لنا أحد طرفي النهار، فلنجلس معه، ليس معنا منهم أحد. فذكر ذلك له العباس، فقال: «ما ذاك إلَيَّ». فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلى آخر الآية. فدعا العباسَ، فتلاها عليه، فرجع العباس وقد اشتد جزعه من ذلك، فأتى عليَّ بن أبي طالب، فقال: هلكت، واللهِ. وقص عليه القصة، فقال له علي: وما يعرضك للتنزيل من الله، ألم أنهك عن ذلك؟ ومالك ولهذا؟ قال: أنشدك الله -يا ابن أخي- لَما أدركتني؛ فقد هلكت، ائت رسول الله ﷺ فكلِّمه في شأني. فأتاه عليٌّ، فذكر له الذي لقي العباس، فقال رسول الله ﷺ: «إنها لم تنزل فيه، إنما نزلت في الذين بعثوه»
عن نيار بن مكرم الأسلمِيّ -من طريق عروة بن الزبير- قال: لما نزلت: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يُحِبُّون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإيّاهم أهل كتاب، وفي ذلك يقول الله: ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ *بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، وكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعْث. فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * في أدْنى الأَرْضِ وهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * في بِضْعِ سِنِينَ﴾. فقال ناس من قريش لأبي بكر: ذاك بيننا وبينكم، يزعم صاحبُك أنّ الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نُراهِنك على ذلك! قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: لِمَ تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ فسمِّ بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه. قال: فسَمَّوا بينهم سِتَّ سنين، فمضت الست قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين، قال: لأنّ الله قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فأسلم عند ذلك ناسٌ كثير
قال يحيى بن سلّام: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ الآية، قال الحسن: إنّ إبليس قال: يا ربِّ، هل مِن عبيدك عبْدٌ إن سلَّطتني عليه امتنع مِنِّي؟ قال: نعم، عبدي أيوب. فسلَّطه الله عليه ليجهد جهده ويُضلّه، فجعل يأتيه بوساوسه وحبائله، وهو يراه عيانًا، فلا يقدر منه على شيء، فلمّا امتنع منه قال الشيطان: أي ربِّ، إنّه قد امتنع مِنِّي، فسلِّطني على ماله. فسلَّطه الله على ماله، فجعل يُهلك مالَه صِنفًاصنفًا، فجعل يأتيه وهو يراه عيانًا، فيقول: يا أيوب، هلك مالُك في كذا وكذا. فيقول: الحمد لله، اللهم، أنت أعْطَيْتَنِيهِ، وأنت أخذتَهُ مِنِّي، إن تُبقِ لي نفسي أحمدُك على بلائك. ففعل ذلك حتى أهلك ماله كلَّه، فقال إبليس: يا ربِّ، إنّ أيوب لا يُبالي بماله؛ فسلِّطني على جسده. فسلَّطه الله عليه، فمكث سبع سنين وأشهرًا حتى وقعت الأَكَلَة في جسده، قال يحيى بن سلّام: وبلغني: أنّ الدودة كانت تقع مِن جسده، فيردها مكانها، ويقول: كلي مما رزقك الله. قال الحسن: فدعا ربه: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ يعني: في جسده، وقال في الآية الأخرى: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِسِ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ جلس في صفّة ضيّقة، ومعه أصحابه، فجاء نَفرٌ من أهل بدر، منهم: ثابت بن قيس بن شَمّاس الأنصاري، فسلّموا على النبيِّ ﷺ، فردّ عليهم، ثم سلّموا على القوم، فردُّوا عليهم، وجعلوا ينتظرون لِيُوسّع لهم، فلم يفعلوا، فشقّ قيامُهم على النبي ﷺ، وكان يُكرم أهل بدر، وذلك يوم الجمعة، فقال رسول الله ﷺ: «قم، يا فلان، وقم، يا فلان». لِمَن لم يكن مِن أهل بدر، بعدد القيام من أهل بدر، فعرف النبيُّ ﷺ الكراهية في وجه مَن أُقيم منهم، فقال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلًا تفسّح لأخيه». فجعلوا يقومون لهم بعد ذلك، فقال المنافقون للمسلمين: أتزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس، فواللهِ، ما عدل على هؤلاء، إنّ قومًا سَبقوا فأخذوا مجلسهم وأحبُّوا قُربه فأقامهم، وأجلس مَن أبطأ عن الخير، فواللهِ، إنّ أمر صاحبكم كلّه فيه اختلاف. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِسِ﴾ يعني: أوْسعوا في المجالس ﴿فافْسَحُوا﴾ يقول: أوْسِعوا ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾