عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجن، فسلَّم عليه، وجاءه في صورة رجل حسن الوجه، طيِّب الريح، نَقِي الثياب، فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه، الكريم على ربِّه، الطيِّب ريحُه، حدثني كيف يعقوب؟ قال: حَزِن عليك حزنًا شديدًا. قال: فما بلغ مِن حُزْنِه؟ قال: حُزْن سبعين مُثكَلَة. قال: فما بلغ مِن أجره؟ قال: أجر سبعين شهيدًا. قال يوسف: فإلى مَن أوى بعدى؟ قال: إلى أخيك بنيامين. قال: فتُراني ألقاه؟ قال: نعم. فبكى يوسفُ لِما لَقِي أبوه بعده، ثم قال: ما أُبالي بما لقيت إنِ اللهُ أرانِيهِ
قال عبد الله بن عباس: ﴿وجعلنا له نورا﴾ يريد: حمزة بن عبد المطلب، ﴿كمن مثله في الظلمات﴾ يريد: أبا جهل بن هشام. وذلك أنّ أبا جهل رمى رسول الله ﷺ بفَرْث، فأُخبر حمزةُ بما فعل أبو جهل وهو راجع مِن قَنصِه، وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس، وهو يتضرع إليه، ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به؟ سفَّه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومَن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. فأنزل الله هذه الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق عُبادَة الأسَدي- قال: إنّ إخوة يوسف لَمّا دخلوا عليه فعرَفهم وهم له منكرون؛ جاء بصُواع الملك الذي كان يشرب فيه، فوَضَعه على يده، فجعل ينقُرُهُ ويَطِنُّ، وينقُرُه ويَطِنُّ، فقال: إنّ هذا الجامَ لَيُخْبِرُني عنكم خَبَرًا، هل كان لكم أخ مِن أبيكم يُقال له: يوسف، وكان أبوه يُحِبُّه دونكم، وإنّكم انطلقتم به فألقيتموه في الجُبِّ، وأخبرتم أباكم أنّ الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب؟ قال: فجعل بعضُهم ينظر إلى بعض، ويعجبون أنّ هذا الجامَ لَيُخْبِرُ خَبرَهم، فمِن أين يعلم هذا؟! قال ابنُ عباس: فلا نرى هذه الآيةَ نزلت إلا فيهم: ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ [يوسف:١٥]
عن عبد الله بن عباس، قال: خطَب رسول الله ﷺ، فقال: «يا أيُّها الناس، إنّكم مَحشُورون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلًا». ثم قرأ: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ثم قال: «ألا وإنّ أولَ الخلائقِ يُكسى يومَ القيامة إبراهيم، ألا وإنّه يُجاءُ برجالٍ مِن أُمَّتي، فيُؤخَذُ بهم ذاتَ الشمال، فأقولُ: يا ربِّ، أصحابي أصحابي. فيُقالُ: إنّك لا تَدري ما أحدَثوا بعدَك. فأقولُ كما قال العبدُ الصالح: ﴿وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾. فيُقالُ: أمّا هؤلاءِ لم يَزالوا مُرتَدِّين على أعقابِهم مُذْ فارَقتَهم»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل﴾، وذلك أنّهم حين قالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ أوحى الله إلى الجوارح فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فذلك قوله: ﴿بل بدا لهم﴾ يعني: ظهر لهم من الجوارح ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ بألسنتهم من قبل أن تنطق الجوارح بالشرك، فتمنَّوا عند ذلك الرجعة إلى الدنيا، ﴿فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا... ﴾ إلى آخر الآية. فأخبر الله عنهم، فقال: ﴿ولو ردوا﴾ إلى الدنيا كما تمنوا وعُمِّروا فيها ﴿لعادوا لما﴾ يعني: لرجعوا لما ﴿نهوا عنه﴾ من الشرك والتكذيب، ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في قولهم حين قالوا: ﴿ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ بالقرآن
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في مالك بن الصيف اليهودي حين خاصمه عمر بن الخطاب في النبي ﷺ أنّه مكتوب في التوراة، فغضب مالك، فقال: ما أنزل الله على أحد كتابًا. وكان رَبّانيًّا في اليهود، فعزلته اليهود عن الرَّبّانِيَّة. فقال النبي ﷺ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ يعني: اليهود، نزلت هذه الآية بالمدينة، ثم إنّ مالك بن الصيف تاب مِن قوله، فلم يقبلوا منه، وجعلوا مكانه رجلًا في الرَّبّانِيَّة
عن رجلٍ مِن الأعراب، قال: جَلَبْتُ جَلُوبةً إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ، فلما فَرَغْتُ مِن بَيْعَتي قلتُ: لأَلْقَيَنَّ هذا الرجلَ، ولأَسمعَنَّ منه. فتَلَقّاني بين أبي بكر وعمر يَمْشُون، فتَبِعْتُهم حتى أتَوا على رجل من اليهود ناشِرًا التوراةَ يَقْرَؤها، يُعَزِّي بها نفسَه عن ابنٍ له في الموت، كأحسن الفِتْيانِ وأجْمَلِه، فقال رسول الله ﷺ: «أنشُدُك بالذي أنزَل التوراةَ، هل تَجِدُ في كتابِك ذا صِفَتي ومَخْرَجي؟». فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنُه: إي، والذي أنزَل التوراة، إنّا لَنجِدُ في كتابِنا صِفَتَك ومخرجَك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. فقال: «أقِيموا اليهوديَّ عن أخِيكم». ثُمَّ ولِي كَفَنَه، والصلاةَ عليه
عن عطاءِ بن يسار، قال: لَقِيتُ عبدَ الله بن عمرو بن العاصي، قلتُ: أخبِرْني عن صفةِ رسول الله - ﷺ -. قال: أجَلْ، واللهِ، إنّه لَمَوْصوفٌ في التوراةِ ببعض صفتِه في القرآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، إنّا أرسلناك شاهِدًا، ومُبشِّرًا، ونذيرًا، وحِرْزًا للأُمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُك: المُتَوَكِّل، ليس بفَظِّ، ولا غليظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسواق، ولا يَجْزِي بالسيئة السيئةَ، ولكن يَعْفو ويصفحُ، ولن يَقْبِضَه اللهُ حتى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتحَ به أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، قال عطاء: ثم لقيت كعبًا، فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفًا، إلا أن كعبا قال بِلُغَتِه: قلوبًا غلوفيا، وآذانًا صموميا، وأعينًا عموميا
قال عبد الله بن عباس: قدِم وفدُ ثقيف على النبي ﷺ، فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: «وما هُنَّ؟» قالوا: أن لا ننحني -أي: في الصلاة-، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال النبي ﷺ: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية -يعني: اللات والعزى- فإني غير مُمَتِّعكم بها». فقالوا: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ أن تسمع العربُ أنك أعطيتنا ما لم تعطِ غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا. فقل: اللهُ أمرني بذلك. فسكت رسولُ الله ﷺ، فطمِع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في حُيَيِّ بن أخطب واليهود، وذلك أنهم كرهوا قدوم النبي ﷺ المدينة وحسدوه، وقالوا: يا محمد، إنك لتعلم أن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، إنما أرض الأنبياء والرسل أرض المحشر أرض الشام، ومتى رأيت الله بعثَ الأنبياء في أرض تهامة؟! فإن كنت نبيًّا فاخرج إليها، فإنما يمنعك منها مخافة أن يغلبك الروم، فإن كنت نبيًّا فسيمنعك الله كما منع الأنبياء قبلك. فخرج النبي ﷺ متوجهًا إلى الشام، فعسكر على رأس ثلاثة أميال بذي الحليفة لتنضم إليه أصحابه، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليُخرجوك منها﴾