اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ على أربع قراءات، ذكرها ابن جرير (٢٤‏/‏٣٧٨-٣٧٩): الأولى: ﴿تَحاضُّونَ﴾ بالتاء وفتحها وإثبات الألف، بمعنى: ولا يحضّ بعضكم بعضًا على طعام المسكين. الثانية: ‹تَحُضُّونَ› بالتاء وفتحها وحذف الألف، بمعنى: ولا تأمرون بإطعام المسكين. الثالثة: ‹يَحُضُّونَ› بالياء وحذف الألف، بمعنى: ولا يُكرِم القائلُ إذا ما ابتلاه ربُّه فأكْرَمه ونعَّمَه: ربي أكرمني، وإذا قدر عليه رزقَه: ربي أهانني، اليتيم، ولا يحضون على طعام المسكين. الرابعة: (تُحَآضُّونَ) بالتاء وضمها وإثبات الألف. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٧٩ بتصرف) القراءات الثلاث الأولى بأنها «قراءات معروفات في قراءة الأمصار، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيب»

سورة القصص — الآية ٨١

عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي -من طريق علي بن زيد بن جدعان- قال: بلغنا: أنّ قارون أُوتِي مِن الكنوز والمال حتى جعل باب داره مِن ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ مِن بني اسرائيل يغدون إليه ويروحون، يُطعمهم الطعام، ويتحدثون عنده، وكان مُؤذِيًا لموسى، فلم تَدَعُه القسوةُ والبلاء حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تُذكَر برِيبة، فقال لها: هل لك أن أُموِّلك، وأعطيك، وأخلطك بنسائي، على أن تأتيني والملأ مِن بني إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون، ألا تنهى موسى عَنِّي؟ فقالت: بلى. فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده دعا بها، فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها، ورزقها التوبة، فقالت: ما أجد اليوم توبةً أفضل مِن أن أُكَذِّب عدوَّ الله، وأُبْرِئَ رسول الله. فقالت: إنّ قارون بعث إلَيَّ، فقال: هل لك أن أُموِّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي، على أن تأتيني والملأ مِن بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون، ألا تنهى موسى عني. فإني لم أجد اليوم توبة أفضل مِن أن أُكَذِّب عدو الله، وأبرئ رسول الله. فنكس قارون رأسه، وعرف أنه قد هلك، وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى شديدَ الغضب، فلمّا بلغه توضأ، ثم صلى، وسجد، وبكى، وقال: يا ربِّ، عدوك قارون كان لي مُؤْذِيًا -فذكر أشياء-، ثُمَّ لَمْ يَتَناهَ حتى أراد فضيحتي، يا ربِّ، سلِّطني عليه. فأوحى الله إليه أن: مُرِ الأرضَ بما شئت تُطِعْكَ. فجاء موسى إلى قارون، فلمّا رآه قارون عرف الغضب في وجهه، فقال: يا موسى، ارحمني. فقال موسى: يا أرضُ، خذيهم. فاضطربت داره، وخُسِف به وبأصحابه حتى تَغَيَّبت أقدامُهم، وساخت دارهم على قدر ذلك، فقال قارون: يا موسى، ارحمني. فقال: يا أرض، خذيهم. فاضطربت داره، وخسف به وبأصحابه إلى سُرُرهم، وساخت داره على قدر ذلك، وجعل يقول: يا موسى، ارحمني. فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فاضطربت داره، وخسف به وبأصحابه إلى حلوقهم، وساخت داره على قدر ذلك، وقال: يا موسى، ارحمني. فقال: يا أرض، خذيهم. فخسف به وبأصحابه وبداره، فلما خُسِف به قيل له: يا موسى، ما أفظَّك! أما -وعِزَّتِي- لو إيّاي دعا لرحمته. وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أُعَبِّد الأرض بعدك أحدًا

سورة النساء — الآية ١٥٣

عن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي معشر- قال: جاء ناسٌ مِن اليهود إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: إنّ موسى جاء بالألواح مِن عند الله، فأْتِنا بالألواح مِن عند الله حتى نصدقك. فأنزل الله: ﴿يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء﴾ إلى قوله: ﴿وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾. فلمّا تلاها عليهم -يعني: على اليهود-، وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة؛ جحدوا كُلَّ ما أنزل الله، وقالوا: ما أنزل اللهُ على بشر من شيء، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل الله على نبي مِن شيء. قال: فحلَّ حُبْوَتَه، وقال: «ولا على أحد!». فأنزل الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾. (٥/ ٩٣)

سورة يونس — الآية ٣٩

عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه علي بن أبي طالب، قال: قلتُ أربعًا أنزلَ اللهُ تبارك وتعالى تصديقي بها في كتابه. قلتُ: «المَرْءُ مَخْبُوءٌ تحت لسانه، فإذا تَكَلَّم ظهر». فأنزل الله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد:٣٠]. وقلت: «مَن جَهِل شيئًا عاداه». فأنزل الله عز وجل: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ [يونس:٣٩]. وقلت: «قَدْرُ -أو قال- قيمةُ كُلِّ امرئٍ ما يُحْسِنه». فأنزل الله تعالى في قصة طالوت: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة:٢٤٧]. وقلت: «القتلُ يُقِلُّ القتلَ». فأنزل الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة:١٧٩]

سورة الزخرف — الآية ٧١

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أدنى أهل الجنة منزلة لَمَن له سبع درجات، هو على السادسة وفوقه السابعة، وإنّ له لثلاثمائة خادم، ويُغدى ويُراح عليه كلّ يوم ثلاثمائة صحيفة -ولا أعلمه إلا قال:- من ذهب، في كلّ صحيفة لونٌ ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذّ آخره، ومِن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كلّ إناء لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذّ آخره، وإنه ليقول: يا ربّ، لو أذنتني لأطعمتُ أهل الجنة وسقيتهم، لا ينقص مما عندي شيء. إنّ له مِن الحُور العِين لاثنين وسبعين زوجة، سوى زوجته في الدنيا، وإنّ الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض»

سورة القمر — الآية ٤٩

عن أبي الحسن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن جعفر بن موسى بن جعفر المعروف بالموسوي، قال: سمعت أبي يذكر عن آبائه: أنّ علي بن موسى الرضا كان يقعد في الرَّوضة وهو شاب، ملْتحفٌ بمطرف خزّ، فيسأله الناس ومشايخ العلماء في المسجد، فيُسأل عن القَدَر، فقال: قال الله عز وجل: ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. ثم قال الرّضا: كان أبي يذكر، عن آبائه، أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان يقول: إنّ الله خلق كلّ شيء بقَدَر، حتى العَجْز والكَيْس، وإليه المشيئة، وبه الحَول والقوة

انتَقَد ابنُ عطية (٣‏/‏١٥٣) هذا القول الذي قاله عكرمة والحسن مستندًا إلى دلالة نصوص الشرع بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال». وذكر ابنُ كثير (٥‏/‏١٩٦) أنّ هذا القول يتأيد بخاتمة الآية: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾؛ لأنّ أهل الإسلام قد ثبت في حقهم ما جاء عند مسلم، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضُنا بعضًا، فمَن وفى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له»""

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣١) اختلاف أهل العلم فيمن ظلمه رجلٌ في أخذ مال، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال؛ تجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؟! وقال: «فقالت فرقة: له ذلك. منهم ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان، ومجاهد، واحتجت بهذه الآية، وعموم لفظها. وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك». وعلّق على قول مالك بقوله: «ويتقوى في أمر المال قول مالك رحمه الله؛ لأن الخيانة لاحقة في ذلك، وهي رذيلة لا انفكاك عنها، ولا ينبغي للمرء أن يتأسى بغيره في الرذائل، وإنما ينبغي أن يتجنبها لنفسها، وأما الرجل يظلم في المال، ثم يتمكن من الانتصاف دون أن يؤتمن فيشبه أن ذلك له جائز، يرى أنّ الله حكم له كما لو تمكن له بالحكم من الحاكم»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٩٩): «وقول فرعون: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد إلا: ما بال القرون الأولى لم تُبعث إليها، ولم يوجد أمرك عندها؟ فَرَدَّ موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى. ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول، والرجوع إلى سؤال موسى عمَّن سلف من الناس روغانًا في الحجة وحَيْدَةً». وقال ابنُ كثير (٩‏/‏٣٤٤) في معنى الآية: «أصحُّ الأقوال في معنى ذلك: أنّ فرعون لَمّا أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدَّر فهدى؛ شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟»

لم يذكر ابنُ جرير (٢١‏/‏١٩١-١٩٢) غير قول ابن زيد، وقتادة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وعلّق على ما جاء في هذا القول ابنُ عطية (٧‏/‏٦٤٢)، فقال: «وفي نحو هذا المعنى هو قول النبي عليه السلام: «لأحدكم بمنزله في الجنّة أعرف منه بمنزله في الدنيا»». ثم ذكر ابنُ عطية قولَ مَن قال معناه: طيّبها. وعلّق عليه قائلًا: «مأخوذ من العرْف، ومنه: طعام معرف، أي: مُطيّب. وعرفت القدر: طيّبتها بالملح والتابل». وذكر قولًا آخر أن المعنى: سمّاها لهم ورسمها، كل منزل باسم صاحبه. وعلّق عليه قائلًا: «فهذا نحو من التعريف». وذكر قولًا آخر أنّ ذلك معناه: شرّفها لهم، ورفعها، وعلّاها. وعلّق عليه بقوله: «وهذا مِن الأعراف، التي هي الجبال وما أشبهها، ومنه: أعراف الخيل»