حكى ابنُ جرير (٦‏/‏٢٨) في قوله تعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ اختلاف المفسرين في اليوم الذين وُعِدَ فيه المؤمنون بإمدادهم بالملائكة، وهل حَضَرَتِ الملائكة يومئذٍ حربهم أم لا؟ فذكر أربعة أقوال:الأول: كان هذا الوعد من الله للمؤمنين يوم بدر أن يُمِدَّهم بملائكته إن أتاهم العدوُّ من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهو قول الشعبي. الثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون، واتقوا الله، فأمدَّهم بملائكته على ما وعدهم. وهو قول مالك بن ربيعة من طريق عبد الله بن أبي بكر، وابن عباس من طريق مقسم، وأبي داود المازني من طريق ابن إسحاق، وأبي رافع من طريق عكرمة، وقتادة، والربيع من طريق أبي جعفر، ومجاهد من طريق ابن خثيم. الثالث: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أنْ يُمِدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا، ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمَدّهم حين حاصروا قريظة. وهو قول عبد الله بن أبي أوفى. الرابع: بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتقوا، ولم يُمَدُّوا بشيءٍ في أحد. وهو قول عكرمة من طريق عمرو بن دينار، والضحاك، وابن زيد. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية أنّ المؤمنين وُعِدوا بثلاثة آلاف من الملائكة مَدَدًا لهم، ثم وُعِدوا بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أُمِدُّوا بهم، ولا على أنهم لم يُمَدُّوا بهم. وبيَّن بأنّ كلا الأمرين جائز -أي: الإمداد وعدمه- على نحو ما روى أصحابُ كُلِّ قولٍ ما ثبت عنده، غير أنه لا يمكن التسليم بقول إلا بخبر تقوم به الحجة. ثم أشار إلى ما يُؤَيِّدُ القولَ الثاني، ويُضْعِفُ القول الرابع، فقال: «غير أنّ في القرآن دلالةٌ على أنهم أُمِدُّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة، وذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]. فأمّا في يوم أحد فالدَّلالة على أنهم لم يُمَدُّوا أبْيَنُ منها في أنّهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أُمِدُّوا لم يُهزَموا، ويُنال منهم ما نِيلَ منهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٣‏/‏١٧٥) مستندًا إلى لفظ الآية والنظائر أنّ الإمداد بالملائكة كان يوم بدر، وأنهم أُمِدّوا بثلاثة آلاف فما فوقها، فقال في سياق ذِكْر أدلة القائلين بأنّه يوم بدر: «فإن قيل: فما الجمع بَيْن هذه الآية -على هذا القول -وبَيْن قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٩-١٠]؟ فالجواب: أنّ التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بمعنى: يردفهم غيرَهم، ويَتْبَعهم ألوف أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران؛ فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر». وانتَقَد ابنُ عطية (٢‏/‏٣٤٣) مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف قولَ الشعبي أنّ المؤمنين لم يُمَدّوا بالملائكة يوم بدر، فقال: «وخالف الناسُ الشعبيَّ في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حَضَرَتْ بدرًا، وقاتلت». ثم وجَّه كلام القائلين بأنّ قوله تعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في يوم بدر، والقائلين بأنه كان في يوم أحد، فقال: «فمَن قال مِن المفسرين: إنّ قول النبي ﷺ للمؤمنين: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر بدر، وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرِّضًا على الجدِّ والتوكل على الله. ومَن قال: إنّ قول النبي ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآية إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى ﴿تَشْكُرُونَ﴾ اعتراضًا بَيْن الكلام جميلًا»

اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»

سورة النساء — الآية ٤٢

عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن عباس، فقال: أرأيتَ أشياءَ تختَلِفُ عَلَيَّ في القرآن؟ فقال ابن عباس: ما هو؟ أشكٌّ في القرآن؟! قال: ليس بشَكٍّ، ولكِنَّه اختلافٌ. قال: هاتِ ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمعُ اللهَ يقول: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣]، وقال: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾، فقد كتموا. وأسمعُه يقول: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون:١٠١]، ثم قال: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ [الصافات:٢٧]. وقال ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض﴾ حتى بلغ: ﴿طائعين﴾ [فصلت:٩-١١]، فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خَلْق السماء، ثم قال في الآية الأخرى: ﴿أم السماء بناها﴾ [النازعات:٢٧]، ثم قال: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات:٣٠]، فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض. وأسمعُه يقول: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء:١٥٨]، ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء:٩٦]، ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ [النساء:١٣٤]، فكأنه كان ثم مضى -وفي لفظ: ما شأنه يقول: ﴿وكان الله﴾؟-. فقال ابن عباس: أمّا قوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ فإنّهم لَمّا رَأَوا يومَ القيامة، وأنّ الله يغفر لأهل الإسلام، ويغفر الذنوب، ولا يغفر شِرْكًا، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره؛ جحده المشركون رجاءَ أن يُغفَر لهم، فقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾، فختم اللهُ على أفواههم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾. وأمّا قوله: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ فهذا في النفخة الأولى، ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ [الزمر:٦٨]، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأمّا قوله: ﴿خلق الأرض في يومين﴾، فإنّ الأرض خُلِقت قبل السماء، وكانت السماء دخانًا، فسوّاهُنَّ سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض، وأمّا قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾، يقول: جعل فيها جبلًا، جعل فيها نهرًا، جعل فيها شجرًا، وجعل فيها بحورًا. وأمّا قوله: ﴿وكان الله﴾ فإنّ الله كان ولم يزل كذلك، وهو كذلك عزيز حكيم، عليم قدير، ثم لم يزل كذلك. فما اختلف عليك مِن القرآن فهو يُشبِه ما ذكرتُ لك، وإنّ الله لم ينزل شيئًا إلا وقد أصاب به الذي أراد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون

رجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٩٤، ١٠٠-١٠١ بتصرف) أنّ نفس الرجل الحر قَوَد قصاصًا بنفس المرأة الحرة، وأنّ معنى الآية: أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. استنادًا إلى دلالة القرآن، والسُّنَّة، والقياس، فقال: «فإن قال قائل: فإنه -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر، ولا للأنثى إلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد، وللأنثى من الذَّكَر بقول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، وبالنقل المستفيض عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المسلمون تَتَكافأ دماؤهم»». وقال: «قد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ بالنقل العام أنّ نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصاصًا بنفس المرأة الحرة، فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الرجل والمرأة على ما قد بينّا من قول عليٍّ وغيره، وكان واضحًا فساد قول مَن قال بالقصاص في ذلك والتراجع بفضل ما بين الديتين بإجماع جميع أهل الإسلام على أنّ حرامًا على الرجل أن يتلف من جسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه -فدع ما جميعه-، وعلى أنّ حرامًا على غيره إتلاف شيء منه مثل الذي حرم من ذلك بِعِوَضٍ يعطيه عليه؛ فالواجب أن تكون نَفْسُ الرجل الحر بنَفْسِ المرأة الحرة قَوَدًا. وإذا كان ذلك كذلك كان بيِّنًا بذلك أنّه لم يُرِد بقوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أن لا يقاد العبد بالحر، وأن لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى. وإذا كان ذلك كذلك كان بَيِّنًا أنّ الآية مَعْنِيٌّ بها أحدُ المعنيين الآخرين: إما قولنا من أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. وإما القول الآخر وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصةً، أمر النبي ﷺ أن يجعل ديات قتلاهم قصاصًا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومَن ذكرنا قوله. وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن المقاصّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أنّ الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نسخه، وإذا كان كذلك، وكان قوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ يُنبِئُ على أنه فرض؛ كان معلومًا أن القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة؛ لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه فلا خيار لهم فيه، والجميع مجمعون على أن لأهل الحقوق الخيار في مقاصّتهم حقوقهم بعضها من بعض، فإذا تبين فساد هذا الوجه الذي ذكرنا؛ فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا»

أفادت الآثارُ اختلافَ السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ على أقوال أربعة: الأول: أنهم الأمراء والولاة. الثاني: أنهم أهل العلم والفقه. الثالث: أنهم أصحاب النبي ﷺ. الرابع: أنهم أبو بكر وعمر. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٨٢) مستندًا إلى السنة، والدلالة العقلية القول الأول، وذلك: «لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة». ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك -وهي في الآثار المتعلقة بالآية-، ثُمَّ قال (٧‏/‏١٨٤): «فإذا كان معلومًا أنّه لا طاعةَ واجبةً لأحد غيرِ الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ بطاعة ذوي أمرنا، كان معلومًا أنّ الذين أمر بطاعتهم -تعالى ذِكْرُه- مِن ذوي أمرنا هم الأئمة، ومَن ولَّوْه أمرَ المسلمين دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضًا القبولُ مِن كُلِّ مَن أمر بترك معصية الله، ودعا إلى طاعته، غير أنّه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تَقُم حُجَّةُ وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عبادَه طاعتَهم فيما أمروا به رعِيَّتَهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإن على مَن أمَروه بذلك طاعتهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٤‏/‏١٣٦) مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة أنّ الآية عامَّةٌ في الأمراء والعلماء، وكلاهما داخل فيها، قال: «والظاهر -والله أعلم- أنّ الآية في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء، وقد قال تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت﴾ [المائدة:٦٣]، وقال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل:٤٣]، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصا الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصا أميري فقد عصاني». فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء». وإلى نحو ما قال ابنُ كثير ذهب ابنُ القيم (١‏/‏٢٧٩)، حيث قال: «فإنّ العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به نبيه، فإنّ العلماء ولاته حِفْظًا، وبيانًا، وذبًّا عنه، وردًّا على مَن ألحد فيه وزاغ عنه، والأمراء ولاته قيامًا، وعنايةً، وجهادًا، وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد مَن خرج عنه»

اختلف المفسرون في هذين الأجلين على خمسة أقوال: الأول: ﴿أجَلًا﴾ الدنيا، ﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ الآخرة. الثاني: عكس هذا القول. الثالث: ﴿أجَلًا﴾ أجل الإنسان من لدن ولادته إلى موته، والأجل المسمى عنده من وقت موته إلى حشره. الرابع: ﴿أجَلًا﴾ وفاة الإنسان بالنوم، و﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ وفاته بالموت. الخامس: الأجل الأول هو في وقت أخذ الميثاق على بني آدم حين استخرجهم من ظهر آدم، وبقي أجل واحد مسمًى في هذه الحياة الدنيا. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣١٢) أنّ المهدوي حكى عن فرقتين قولين آخرين: الأول: أنّ ﴿أجلا﴾ ما عرف الناس من آجال الأهِلَّة والسنين والكوائن، و﴿أجل مسمى﴾ قيام الساعة. الثاني: أنّ ﴿أجلا﴾ ما عرفناه من أنّه لا نبي بعد محمد ﷺ، و﴿أجل مسمى﴾ الآخرة. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١٥٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، مستندًا إلى ظاهر الآية، والنظائر، فقال: «لأنّه تعالى نبَّه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم، فقال لهم: أيها الناس، إنّ الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صورًا أجسامًا أحياء بعد إذ كنتم طينًا جمادًا، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم. ﴿وأجل مسمى عنده﴾ لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم. وذلك نظير قوله: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ [البقرة:٢٨]». ووجَّهه ابنُ كثير (٦‏/‏٩) بقوله: «وكأنّه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم﴾ [الأنعام:٦٠]». وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٣١٢) بعد ذكره لهذه الأقوال بقوله: «وينبغي أن تُتَأمَّل لفظة ﴿قَضى﴾ في هذه الآية؛ فإنها تحتمل معنيين، فإن جُعلت بمعنى: قدَّر وكتب ورجعت إلى سابق علمه وقدره، فيقول: إن ذلك ولا بد قبل خلقه آدم من طين، وتخرج ﴿ثم﴾ من معهودها في ترتيب زمني وقوع القصتين، ويبقى لها ترتيب زمني الإخبار عنه، كأنه قال: أخبركم أنه خلقكم من طين، ثم أخبركم أنه قضى أجلًا. وإن جعلت ﴿قَضى﴾ بمعنى: أوجد وأظهر، ويرجع ذلك إلى صفة فعل، فيصح أن يكون خلق آدم من طين قبل إظهار هذا الأجل وإبدائه، وتكون ﴿ثم﴾ على بابها في ترتيب زَمَنَي وقوع القضيتين»

اختلف في معنى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في هذه الآية على خمسة أقوال: الأول: معناه أن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض، ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد، وقدر ذلك ألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، لأن ما بين الأرض إلى السماء خمس مائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك، فذلك ألف سنة. الثاني: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يَعرُج إليه في يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنَّ الخَلْق، وكل يوم مِن هذه كألف سنة مما تعدون من أيامكم. الثالث: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض بالملائكة، تم تَعرُجُ إليه الملائكة في يومٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا. الرابع: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض في يومٍ، كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، ثم يَعرُجُ إليه ذلك التدبير الذي دبَّره. الخامس: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يَعرُجُ إلى الله في يومٍ كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مما تعدون. ووجَّه ابنُ عطية (٧‏/‏٦٧ بتصرف) قول مجاهد من طريق ابن جريج -وهو القول الرابع- بقوله: «فالمعنى أن الأمور تُنَفَّذ عند الله تعالى لهذه المدة، ثم تصير إليه آخرًا؛ لأن عاقبة الأمور إليه». وقد ذكر ابنُ جرير القول الرابع، وأدرج تحته أثر مجاهد، وجعله قولًا واحدًا، وأما ابنُ عطية فقد جعله قولين عن مجاهد، الأول: أن التدبير المنقضي في يوم القيامة ألف سنة لو دبره البشر. والثاني: أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عَدِّنا. ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٩٦) مستندًا إلى أنّه الأظهر من اللفظ القول الأول، وهو قول مجاهد من طريق ليث، وابن عباس من طريق أبي الحارث عن عكرمة، والضحاك من طريق جويبر، وعكرمة من طريق سفيان عن سماك، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنزيل». وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٦٨) القول الثاني مستندًا إلى ألفاظ الآية والسنة، فقال: «وهذا قولٌ ضعيف مكرهةٌ ألفاظ هذه الآية عليه، رادَّةٌ له الأحاديث التي تُثْبِت أيام خلق الله تعالى المخلوقات». ثم ذكر قولًا غير ما ذُكِر عن فرقة بأن المعنى: يُدبِّر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم، وذلك قدر ألف سنة. وانتقده قائلًا: «وهذا أيضًا ضعيف»

سورة القيامة — الآية ٢٣

عن أنس، قال: بينما نحن حول رسول ﷺ إذ قال: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنّكتة السوداء، قلتُ: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا يوم الجُمُعة، يَعرضه عليك ربُّك ليكون لك عيدًا، ولأُمّتك من بعدك. قلتُ: يا جبريل، فما هذه النّكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، وهي تقوم يوم الجُمُعة، وهو سيّد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المَزيد. قلتُ: يا جبريل، ولِمَ تَدْعُونه يوم المَزيد؟ قال: لأنّ الله عز وجل اتخذ في الجنة واديًا أفيحَ مِن مِسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجُمُعة نزل ربُّنا على كرسيّه إلى ذلك الوادي، وقد حُفَّ العرش بمنابر من ذهب مُكلَّلة بالجوهر، وقد حُفَّتْ تلك المنابر بكراسي من نور، ثم يُؤْذَن لأهل الغُرفات، فيُقبِلون يَخوضون كَثيب المِسك إلى الرُّكَب، عليهم أسورة الذّهب والفِضّة، وثياب السُّندس والحرير، حتى يَنتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنوا فيه جُلوسًا بَعث الله عز وجل عليهم ريحًا يُقال لها: المُثِيرة. فثارتْ يَنابيع المِسك الأبيض في وجوههم، وثيابهم، وهم يومئذ جُردٌ مُرْدٌ مُكَحَّلون، أبناء ثلاث وثلاثين، يَضرب جِمامُهم إلى سُرَرِهم، على صورة آدم يوم خَلَقه الله عز وجل، فيُنادي ربّ العزّة -تبارك وتعالى- رضوان، وهو خازن الجنة، فيقول: يا رضوان، ارفع الحُجُب بيني وبين عبادي وزُوّاري. فإذا رَفع الحُجُب بينه وبينهم فرَأوا بهاءه ونوره هبّوا له سُجودًا، فيُناديهم عز وجل بصوته: ارفعوا رؤوسكم، فإنما كانت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سَلُوني ما شئتم، فأنا ربّكم الذي صدَقتُكم وعدي، وأَتممتُ عليكم نعمتي، فهذا محلّ كرامتي، فسَلُوني ما شئتم. فيقولون: ربّنا، وأيَّ خيرٍ لَمْ تفعله بنا؟! ألستَ الذي أعنتَنا على سكرات الموت، وآنستْ منا الوَحْشة في ظُلمة القبور، وآمَنتَ روْعتنا عند النفخة في الصُّور؟! ألستَ أقلتَنا عَثراتنا، وسَترتْ علينا القبيح من فِعْلنا، وثبَّتَ على جسر جهنم أقدامنا؟! ألستَ الذي أدنيتَنا من جوارك، وأَسْمعتَنا من لَذاذة مَنطقك، وتَجلّيتَ لنا بنورك؟! فأي خيرٍ لمْ تفعله بنا؟! فيعود عز وجل فيُناديهم بصوته، فيقول: أنا ربّكم الذي صدَقتُكم وعدي، وأَتممتُ عليكم نعمتي، فسَلُوني. فيقولون: نسألك رِضاك. فيقول: برضاي عنكم أقلتُكم عَثراتكم، وسَترتُ عليكم القبيح من أموركم، وأَدنيتُ مني جواركم، وأَسمعتُكم لذاذة مَنطقي، وتَجلّيتُ لكم بنوري، فهذا محلّ كرامتي، فسَلُوني. فيسألونه حتى تنتهي مسألتهم، ثم يقول عز وجل: سَلُوني. فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، ثم يقول عز وجل: سَلُوني. فيقولون: رضينا ربّنا وسلّمنا. فيزيدهم من مزيد فضله وكرامته، ويزيد زهرة الجنة ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطر على قلب بشر، ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجُمُعة». قال أنس: فقلتُ: بأبي وأمي يا رسول الله، وما مِقدار تفرُّقهم؟ قال: «كقدْر الجُمُعة إلى الجُمُعة». قال: «ثم يَحمل عرشَ ربّنا العِلِّيون، معهم الملائكة والنّبيّون، ثم يُؤْذَن لأهل الغُرفات فيعودون إلى غُرفهم، وهم غرفتان زُمرُّدتان خَضراوان، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى يوم الجُمُعة، ليَنظروا إلى ربّهم، وليَزيدهم من مزيد فضله وكرامته». قال أنس: سمعتُه من رسول الله ﷺ وليس بيني وبينه أحد

سورة آل عمران — الآية ١٠٢

عن زيد بن أسلم -من طريق عبد الرحمن بن زيد- في قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون﴾، قال: فلم يُدْرى ما حقّ تقاته مِن عِظَم حقه عز وجل، ولو اجتمع أهل السموات والأرض على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا. قال: فأراد الله عز وجل أن يُعلِمَ خلقه قدرته، ثم نسخها وهوّن على خلقه بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، فلم يدع لهم مقالًا، ولو قلت لرجل: اتقِّ اللهَ حَقَّ تقاته، رأى أنّك قد كلفته بغْيًا من أمره، فإذا قلت له: اتقِّ الله ما استطعت، رأى أنك لم تكلفه شططًا

سورة آل عمران — الآية ١٨٧

عن عاصم بن بهدلة قال: اجتمعوا عند الحجاج، فذكر الحسين بن علي، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي ﷺ. وعنده يحيى بن يَعْمَر، فقال له: كذبت أيها الأمير. فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة من مصداق من كتاب الله، أو لأقتلنك. قال: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون﴾ إلى قوله: ﴿وزكريا ويحيى وعيسى﴾ [الأنعام:٨٤-٨٥]، فأخبر الله عز وجل أن عيسى من ذرية آدم بأمه، والحسين بن علي من ذرية محمد ﷺ بأمه. قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟ قال: ما أخذ الله على الأنبياء ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾، قال الله عز وجل: ﴿فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا﴾. قال: فنفاه إلى خُراسان