المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿الذين﴾ صفة للمحسنين المذكورين، وهذا القول هو الذي قاله الركب من عبد القيس لرسول الله ﷺ وأصحابه، حين حملهم أبو سفيان ذلك، وقد ذكرته قبل(١)، ف ﴿الناس﴾ الأول ركب عبد القيس و ﴿الناس﴾ الثاني عسكر قريش، وقوله تعالى :﴿فزادهم إيماناً﴾، أي ثبوتاً واستعداداً، فزيادة الإيمان في هذا هي في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة : أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقص في متعلقاته دون ذاته فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال : يزيد وينقص من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيراً من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي ﷺ، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما يتصور النقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء : إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ذلك : إنها زيادة في الايمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة في الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد : إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما هو بثبوت المعتقد وتعاوره دائباً، قال : وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي ﷺ وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق والغافل غير متوال، يصحبه حيناً ويفارقه حيناً في الفترة، فذلك الآخر أكثر إيماناً، فهذه هي الزيادة والنقص.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله :
وفي هذا القول نظر(٢).
وقوله تعالى :﴿فزادهم إيماناً﴾ لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله ﷺ بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك أيضاً أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله ﷺ : قولوا ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾(٣) فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا(٤).
١ - أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، والبيهقي في "الدلائل" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد. (الدر المنثور للسيوطي ٢: ١٠١) وقد ذكره آنفا عند قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب)، الآية: ١٥١ من سورة آل عمران حيث سرد القصة بتمامها وفي ضمنها الركب..
٢ - زاد بعض العلماء تفسيرات أخرى، منها: أن الإيمان يزيد وينقص من جهة أعمال القلوب: كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة، ومنها: أن التقيد بظاهر النص، وهو أن الإيمان يزيد فقط. وهذا هو قول المعتزلة..
٣ -أخرجه ابن جرير عن السدي. ولهذه الكلمة فضائل كثيرة. "فتح القدير للشوكاني ١/٣٦٧". "والدر المنثور للسيوطي ٢/١٠٢" و"ابن كثير ١/٤٣٠"..
٤ - وقوله تعالى: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ حسب بمعنى: المحسب، أي: الكافي، ويراد به معنى اسم الفاعل، والوكيل: الكفيل-فعيل بمعنى مفعول- أي: الموكول إليه الأمور..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى