محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٩ من سورة عبس في ٨٠ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، و٥ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٩ من سورة عبس

٨٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وَزَيْتُونا وهو الزيتون الذي منه الزيت وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْبا وقد بيّنا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. وقوله : غُلْبا يعني : غِلاظا. ويعني بقوله : غُلْبا أشجارا في بساتين غلاظ. والغلب : جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال ومنه قول الفرزدق :
عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَمِيّافَوَيْلَ ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتَثارَا ؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم : هو ما التفّ من الشجر واجتمع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَحَدَائِقَ غُلْبا قال : الحدائق : ما التفّ واجتمع.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَحَدَائِقَ غُلْبا قال : طيبة.
وقال آخرون : الحدائق : نبت الشجر كله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام، قال : حدثنا ابن فضيل، قال : حدثنا عصام، عن أبيه : الحدائق : نبت الشجر كلها.
حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال : حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس : وَحَدَائِقَ غُلْبا قال : الشجر يُستظلّ به في الجنة.
وقال آخرون : بل الغُلب : الطّوال. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس وَحَدَائِقَ غُلْبا يقول : طوالاً.
وقال آخرون : هو النخل الكرام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : وَحَدَائِقَ غُلْبا والغلب : النخل الكرام.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : وَحَدَائِقَ غُلْبا قال : النخل الكرام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَحَدَائِقَ غُلْبا : عظام النخل العظيمة الجِذْع، قال : والغلب من الرجال : العظام الرقاب، يقال : هو أغلب الرقبة : عظيمها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة حَدَائِقَ غُلْبا قال : عظام الأوساط.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
والمقبر: هو الله، الذي أمر عباده أن يقبروه بعد وفاته، فصيره ذا قبر. والعرب تقول فيما ذُكر لي: بترت ذنَب البعير، والله أبتره، وعضبت قَرنَ الثور، والله أعضبه؛ وطردت عني فلانا، والله أطرده، صيره طريدا.
وقوله: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) يقول: ثم إذا شاء الله أنشره بعد مماته وأحياه، يقال: أنشر الله الميت بمعنى: أحياه، ونشر الميت بمعنى حيى هو بنفسه، ومنه قول الأعشى:
حتى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رأوْايا عَجَبا لِلْمَيِّتِ النَّاشرِ (١)
وقوله: (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افتُرِض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾.
(١) الخبر ١٥٩- إسناده حسن كالذي قبله. وأبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله ابن الزبير الأسدي، من الثقات الكبار، من شيوخ أحمد بن حنبل وغيره من الحفاظ. وقيس: هو ابن الربيع. وهذه الأخبار الثلاثة ١٥٧- ١٥٩، ولفظها واحد، ذكرها ابن كثير ١: ٤٤ خبرًا واحدًا دون إسناد. وذكرها السيوطي في الدر المنثور ١: ١٣ خبرًا واحدًا ونسبه إلى "الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس".
يقول تعالى ذكره: فلينظر هذا الإنسان الكافر المُنكر توحيد الله إلى طعامه كيف دبَّره.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) وشرابه، قال: إلى مأكله ومشربه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) آية لهم.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بكسر الألف من "أنَّا"، على وجه الاستئناف، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة "أنَّا" بفتح الألف، بمعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا، فيجعل "أنَّا" في موضع خفض على نية تكرير الخافض، وقد يجوز أن يكون رفعا إذا فُتحت، بنية طعامه، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا).
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان: فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا) يقول: أنا أنزلنا الغيث من السماء إنزالا وصببناه عليها صبا (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا) يقول: ثم فتقنا الأرض فصدّعناها بالنبات (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا) يعني: حبّ الزرع، وهو كلّ ما أخرجته الأرض من الحبوب كالحنطة والشعير، وغير ذلك (وَعِنَبًا) يقول: وكرم عنب (وَقَضْبَا) يعني بالقضب: الرطبة، وأهل مكة يسمون القَتَّ القَضْب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَقَضْبا) يقول: الفِصفِصة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَقَضْبا) قال: والقضب: الفصافص.
قال أبو جعفر رحمه الله: الفِصفصة: الرَّطبة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وقَضْبا) يعني: الرطبة.
حدثنا بشر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: (وَقَضْبا) قال: القضب: العَلَف.
وقوله: (وَزَيْتُونًا) وهو الزيتون الذي منه الزيت (وَنَخْلا وَحَدَائِقَ غُلْبًا) وقد بينَّا أن الحديقة البستان المحوّط عليه. وقوله: (غُلْبا) يعني: غلاظا. ويعني بقوله: (غُلْبا) أشجارا في بساتين غلاظ.
والغلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال؛ ومنه قول الفرزدق:
عَوَى فأثارَ أغْلَبَ ضَيْغَميًّافَوَيْل ابْنِ المَراغَةِ ما اسْتثارَا؟ (١)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في البيان عنه، فقال بعضهم: هو ما التفّ من الشجر واجتمع.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) قال: الحدائق: ما التفّ واجتمع.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) قال: طيبة.
وقال آخرون: الحدائق: نبت الشجر كله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا عصام، عن أبيه: الحدائق: نبت الشجر كلها.
(١) الأثر ١٦٠ - أحمد بن عبد الرحيم البرقي: اشتهر بهذا، منسوبًا إلى جده، وكذلك أخوه "محمد" وهو: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم. وقد مضت رواية الطبري عنه أيضًا برقم ٢٢ باسم "ابن البرقي". ابن أبي مريم: هو سعيد. ابن لهيعة هو عبد الله. عطاء بن دينار المصري: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٣٢ وفي المراسيل: ٥٨ عن أحمد بن صالح، قال: " عطاء بن دينار، هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره - فيما يروى عن سعيد بن جبير -: صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير ". وروى في الجرح عن أبيه أبي حاتم، قال: " هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب

[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٧ الى ٣٢]

قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُتِلَ الْإِنْسانُ لُعِنَ الْإِنْسَانُ، وَكَذَا قَالَ أَبُو مَالِكٍ: وَهَذَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِ بِلَا مُسْتَنَدٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعَادِ وعدم العلم، قال ابن جريج ما أَكْفَرَهُ أي مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَيُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ كَافِرًا أي ما حمله على التكذيب بالمعاد. وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي وقال قتادة مَا أَكْفَرَهُ مَا أَلْعَنَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى لَهُ كَيْفَ خَلَقَهُ مِنَ الشَّيْءِ الْحَقِيرِ وَأَنَّهُ قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أَيْ قَدَّرَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ يَسَّرَ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو صَالِحٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وقال مجاهد:
هذه كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: ٣] أي بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه عمله، وكذا قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ والله أعلم. وقوله تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أَيْ إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ لَهُ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أَيْ جَعَلَهُ ذَا قَبْرٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ، وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ وَبَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ، وَطَرَدْتُ عَنِّي فُلَانًا وَأَطْرَدَهُ اللَّهُ، أَيْ جَعَلَهُ طَرِيدًا، قال الأعشى: [السريع]
لو أسندت ميتا إلى صدرهاعاش ولم ينقل إلى قابر «٢»
وقوله تعالى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أَيْ بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمِنْهُ يُقَالُ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الرُّومِ: ٢٠]، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً [الْبَقَرَةِ: ٢٥٩] وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنْ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ» قِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مثل حبة خردل منه تنشؤون» «٣» وهذا الحديث ثابت في الصحيحين مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَلَفْظُهُ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَبْلَى إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ مِنْهُ خلق وفيه يركب» «٤».
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٧، ولفظه: وفي قوله أَكْفَرَهُ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره، مع إحسان الله إليه، وأيادنه عنده، والآخر: ما الذي أكفره، أي أيّ شيء أكفره؟.
(٢) البيت في ديوان الأعشى ص ١٨٩، ومقاييس اللغة ٥/ ٤٧، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٤٢٠، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٤٨.
(٣) أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٤٢، في المسند في الجنائز باب ١١٧، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٨، ٣/ ٢٨.
(٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٣٩، باب ٣، وأبو داود في السنة باب ٢٢، ومالك في الجنائز حديث ٤٩.
وقوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ قَالَ ابْنُ جرير «١» : يقول جل ثناؤه كَلَّا لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ يَقُولُ: لَمْ يُؤَدِّ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ رَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أبي نجيح عن مجاهد قوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ قَالَ: لَا يقضي أحدا أَبَدًا كُلَّ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَلَمْ أَجِدْ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ كَلَامًا سِوَى هَذَا، وَالَّذِي يَقَعُ لِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ الْمَعْنَى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أَيْ بَعَثَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ أَيْ لَا يَفْعَلُهُ الْآنَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ وَيَفْرَغَ القدر من بني آدم ممن كتب الله لَهُ أَنْ سَيُوجَدُ مِنْهُمْ وَيُخْرَجُ إِلَى الدُّنْيَا، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ تَعَالَى كَوْنًا وَقَدَرًا فَإِذَا تَنَاهَى ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَنْشَرَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ وَأَعَادَهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَالَ عُزَيْرٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي فَإِنَّ الْقُبُورَ هِيَ بَطْنُ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْأَرْضَ هِيَ أُمُّ الْخَلْقِ فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ وَتَمَّتْ هَذِهِ الْقُبُورُ الَّتِي مَدَّ اللَّهُ لَهَا انْقَطَعَتِ الدُّنْيَا وَمَاتَ مَنْ عَلَيْهَا وَلَفَظَتِ الْأَرْضُ مَا فِي جَوْفِهَا وَأَخْرَجَتِ القبور ما فيها، وهذا شبيه بما قلناه مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بالصواب.
وقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ فِيهِ امْتِنَانٌ وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إحياء الأجسام بعد ما كَانَتْ عَظَامًا بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا أَيْ أَسْكَنَاهُ فِيهَا فَدَخَلَ فِي تُخُومِهَا وَتَخَلَّلَ فِي أَجْزَاءِ الْحَبِّ الْمُودَعِ فِيهَا فَنَبَتَ وَارْتَفَعَ وَظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً فَالْحَبُّ كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْعِنَبُ مَعْرُوفٌ وَالْقَضْبُ هُوَ الْفَصْفَصَةُ الَّتِي تَأْكُلُهَا الدَّوَابُّ رطبة، ويقال لها القت أيضا، وقال ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَضْبُ الْعَلَفُ.
وَزَيْتُوناً وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَهُوَ أُدْمٌ وَعَصِيرُهُ أُدْمٌ وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ وَيُدَّهَنُ به وَنَخْلًا يؤكل بلحا وبسرا وَرُطَبًا وَتَمْرًا وَنِيئًا وَمَطْبُوخًا وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ رُبٌّ وَخَلٌّ وَحَدائِقَ غُلْباً أَيْ بَسَاتِينُ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: غُلْباً نَخْلٌ غِلَاظٌ كِرَامٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْحَدَائِقُ كُلُّ مَا الْتَفَّ وَاجْتَمَعَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: غُلْباً الشَّجَرُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدائِقَ غُلْباً أَيْ طِوَالٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: غُلْبًا أَيْ غِلَاظُ الْأَوْسَاطِ. وَفِي رِوَايَةٍ غِلَاظُ الرِّقَابِ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ قِيلَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لأغلب، رواه ابن أبي حاتم
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٤٨.
وأنشد ابن جرير للفرزدق: [الوافر]
عَوَى فَأَثَارَ أَغْلَبَ ضَيْغَمِيًافَوَيْلَ ابْنَ الْمَرَاغَةِ ما استثار «١»
وقوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا أما الفاكهة فكل مَا يَتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الثِّمَارِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
الْفَاكِهَةُ كُلُّ مَا أُكِلَ رَطْبًا، وَالْأَبُّ، مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ: هُوَ الْحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مَالِكٍ: الْأَبُّ الْكَلَأُ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ: الْأَبُّ لِلْبَهَائِمِ كَالْفَاكِهَةِ لِبَنِي آدَمَ، وَعَنْ عَطَاءٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَبَتَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أَبٌّ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ شَيْءٍ أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب.
وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ نَبْتُ الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: عَدَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: الْأَبُّ مَا أَنْبَتَتِ الأرض للأنعام وهذا لفظ حديث أبي كريب. وقال أبو السائب في حديثه. مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ الْأَنْعَامُ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَبُّ الْكَلَأُ وَالْمَرْعَى، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ، وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق رضي الله عنه.
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه عَبَسَ وَتَوَلَّى فَلَمَّا أَتَيَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَفاكِهَةً وَأَبًّا قال: قد عرفنا الْفَاكِهَةُ فَمَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ فَهُوَ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ أَنَسٍ بِهِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ شَكْلَهُ وَجِنْسَهُ وَعَيْنَهُ وَإِلَّا فَهُوَ وَكُلُّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ:
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا وقوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ أَيْ عِيشَةً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ في هذه الدار إلى يوم القيامة.
(١) البيت في ديوان الفرزدق ص ٣٥٥، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٥٠.
(٢) تفسير الطبري ١٢/ ٤٥١.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١١ - ٣٢} ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾.
يقول تعالى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي: حقا إن هذه الموعظة تذكرة من الله، يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ويبين الرشد من الغي، فإذا تبين ذلك ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: عمل به، كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
ثم ذكر محل هذه التذكرة وعظمها ورفع قدرها، فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ القدر والرتبة ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ [من الآفاق و] عن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها، بل هي ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ وهم الملائكة [الذين هم] السفراء بين الله وبين عباده، ﴿كِرَامٍ﴾ أي: كثيري الخير والبركة، ﴿بَرَرَةٍ﴾ قلوبهم وأعمالهم.
وذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا كفورا، ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ لنعمة الله وما أشد معاندته للحق بعدما تبين، وهو ما هو؟ هو من أضعف الأشياء، خلقه الله من ماء مهين، ثم قدر خلقه، وسواه بشرا سويا، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: يسر له الأسباب الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، [وبينه] وامتحنه بالأمر والنهي، ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو -مع هذا- لا يقوم بما أمره الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا تحت الطلب.
ثم أرشده تعالى إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعدما تكررت عليه طبقات عديدة، ويسره له فقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ﴾ للنبات ﴿شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية ﴿حبًّا﴾ وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ وهو القت، ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ أي: بساتين فيها الأشجار الكثيرة الملتفة، ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ الفاكهة: ما يتفكه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك.
والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، ولهذا قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٢٩ من سورة عبس

من كتاب: إعراب القرآن

٥٣٩-
لو أسندت ميتا إلى نحرهاعاش ولم يتنقل إلى قابر»

[سورة عبس (٨٠) : آية ٢٢]

ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)
أي أحياه، والتقدير: إذا شاء أنشره. يقال أنشره الله فنشر فهو منشر وناشر كما قال: [السريع] ٥٤٠-
حتّى يقول النّاس ممّا رأوايا عجبا للميّت النّاشر «٢»

[سورة عبس (٨٠) : آية ٢٣]

كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)
من النحويين من يجعل «كلّا» تماما في جميع القرآن أي كلا ليس الأمر كما يقول الكافر قد قضيت ما عليّ، ومن النحويين من يجعلها في جميع القرآن مبتدأة، ومنهم من يفصلها وهذا يمرّ في التمام مشروحا إن شاء الله.

[سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٤ الى ٢٦]

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)
تمام على قراءة المدنيين وأبي عمرو وعلى قراءة الكوفيين ليس بتمام لأنهم يقرءون أَنَّا «٣» بمعنى لأنّا، ولا يجوز أن يكون بدلا من طعام على ما تأوّله أبو عبيد لأن وجوه البدل قد بينها النحويون ولا يدخل فيها هذا.
ومعنى صَبًّا وشَقًّا التوكيد، وكذا هذه المصادر.

[سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٧ الى ٣١]

فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)
وعن ابن عباس أنه قال بين يدي عمر: نبات الأرض السبعة فقال له ما أفهم ما تقول، فقال فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) أي ملتفة وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) أي مرعى الأنعام. قال عمر: هكذا فتكلّموا كما تكلّم هذا الفتى وروى عنه ابن أبي طلحة الأب ما لأن من الثمار.

[سورة عبس (٨٠) : آية ٣٢]

مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)
نصب على المصدر.

[سورة عبس (٨٠) : آية ٣٣]

فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال القيامة، وقال عكرمة النفخة الأولى، وقال الحسن: يصيخ لها كلّ شيء أي يصمت لها كلّ شيء.
(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٨٩، ومقاييس اللغة ٥/ ٤٧ والبحر المحيط ٨/ ٤٢٠، وتفسير الطبري ٣٠/ ٥٦، والخزانة ٢/ ١١٠.
(٢) مرّ الشاهد رقم (٥٨).
(٣) انظر تيسير الداني ١٧٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿وقَضْبًا﴾، قال: الفِصفِصة، يعني: القَتّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏١١٦، وابن أبي حاتم -كما في فتح الباري ١٣‏/‏٢٧١-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- ﴿وقَضْبًا﴾، قال: يعني: الرَّطْبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏١١٦.
٣
عن الحسن البصري -من طريق يونس- قال: ﴿وقَضْبًا﴾ القَضْب: العلف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏١١٦.
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وقَضْبًا﴾، قال: والقَضْب: الفَصافِص١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏١١٦.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ يعني به: الرّطاب، ﴿وزَيْتُونًا﴾ يعني: الرَّطْبة التي يُعصر منها الزيت، ﴿ونَخْلًا﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٥٩٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجّح ابنُ عطية (٨/٥٤١) -مستندًا إلى دلالة العقل- أنّ القَضْب: هو كلّ ما يُقضب ليأكله ابن آدم، فقال: «والذي أقوله إنّ القَضْب هنا: هو كلّ ما يُقضب ليأكله ابن آدم غضًّا من النبات؛ كالبقول والهليون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم، ولا ذِكر له في الآية إلا في هذه اللفظة». وانتقد -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول بأنه الفَصافِص بقوله: «وهذا عندي ضعيف؛ لأن الفَصافِص هي للبهائم، فهي داخلة في الأبّ». ونقل تعليق ثعلب على قول مَن قال: هو الرَّطْبة. فقال: «وقال أبو عبيدة: القَضْب: الرَّطْبة. قال ثعلب: لأنه يُقضب كلّ يوم».
التفسير بالمأثور لسورة عبس كاملة ←

ترجمات معاني الآية ٢٩ من سورة عبس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(29) And olive and palm trees
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال