اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾، هذا جواب القسم، والعامة : على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ(١) عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم :«ودَعَهُ »، أي : تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ » واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك » وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ » ؛ قال الشاعر :[ الرمل ]
٥٢٣٤- سَلْ أمِيرِي :
وقال آخر :[ الطويل ]
قيل : والتوديع مبالغة في الودع ؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ(٤) : واستعماله قليل يقال : هو يدع كذا، أي : يتركه.
قال المبرد : لا يكادون يقولون : ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك ».
قوله :﴿وَمَا قلى﴾، أي : ما أبغضك، يقال : قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول : قلاه يقلاه، بالفتح ؛ قال :[ الهزج ]
وحذف مفعول «قَلاَ » مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى » وما بعده.
القلى : البغض، أي : ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول : قلاه يقليه قلى وقلاء، كما تقول : قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه : لغة طيىء. وأنشد :
٥٢٣٧- *** أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا(٦) ***
أي : لا نبغضها، ونقلي : أي : نبغض ؛ وقال :[ الطويل ]
وقال امرؤ القيس :[ الطويل ]
ومعنى الآية : ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى :﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي : والذاكرات الله.
قال المفسرون : انحبس الوحي عن النبي ﷺ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس : خمسة عشر يوماً [ وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل : أربعين يوماً ](٩).
فقال المشركون : إن محمداً ﷺ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين، أو ثلاث، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت : يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى :﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾(١٠).
وروي عن أبي عمران الجوني : قال : أبطأ جبريل على النبي ﷺ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه :﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾(١١).
وروي أن خولة كانت تخدم النبي ﷺ فقالت : إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال :«يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي ؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي » ؟ قالت خولة : فقلت : لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله ﷺ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال : يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي ﷺ عن التّأخر، فقال :«أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ »(١٢).
وقيل : لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي ﷺ :«سَأخْبركُمْ غداً » ولم يقل : إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى :﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت :﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾.
وقرأ(١) عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم :«ودَعَهُ »، أي : تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ » واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك » وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ » ؛ قال الشاعر :[ الرمل ]
٥٢٣٤- سَلْ أمِيرِي :
| ما الَّذي غَيَّرهُ | عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ(٢) |
| ٥٢٣٥- وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ | فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ(٣) |
قال القرطبيُّ(٤) : واستعماله قليل يقال : هو يدع كذا، أي : يتركه.
قال المبرد : لا يكادون يقولون : ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك ».
قوله :﴿وَمَا قلى﴾، أي : ما أبغضك، يقال : قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول : قلاه يقلاه، بالفتح ؛ قال :[ الهزج ]
| ٥٢٣٦- أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ | وَلاَ واللَّهِ أقْلاه |
| لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا | لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ(٥) |
فصل في «القِلَى »
القلى : البغض، أي : ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول : قلاه يقليه قلى وقلاء، كما تقول : قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه : لغة طيىء. وأنشد :
٥٢٣٧- *** أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا(٦) ***
أي : لا نبغضها، ونقلي : أي : نبغض ؛ وقال :[ الطويل ]
| ٥٢٣٨- أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ | لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ(٧) |
| ٥٢٣٩-. . . | ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ(٨) |
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون : انحبس الوحي عن النبي ﷺ اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس : خمسة عشر يوماً [ وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل : أربعين يوماً ](٩).
فقال المشركون : إن محمداً ﷺ قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين، أو ثلاث، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت : يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى :﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾(١٠).
وروي عن أبي عمران الجوني : قال : أبطأ جبريل على النبي ﷺ حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه :﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾(١١).
وروي أن خولة كانت تخدم النبي ﷺ فقالت : إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال :«يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي ؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي » ؟ قالت خولة : فقلت : لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله ﷺ ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال : يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي ﷺ عن التّأخر، فقال :«أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ »(١٢).
وقيل : لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي ﷺ :«سَأخْبركُمْ غداً » ولم يقل : إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى :﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت :﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٩٣..
٢ نسب البيت إلى سويد بن أبي كاهل، ونسب إلى أبي الأسود الدؤلي، وكذلك نسب لأنس بن زنيم ويروي:
ينظر المحتسب ٢/٣١٤، والخصائص ١/٩٩، وشرح شواهد الشافية ص ٥٠، واللسان (ودع)، والبحر المحيط ٨/٤٨، والدر المصون ٦/٥٣٧..
٣ ينظر الكشاف ٤/٧٦٦، والقرطبي ٢٠/٦٤، والبحر ٨/٤٨٠، والدر المصون ٦/٥٣٧..
٤ ينظر الجامع لأحكام القرآن (٢٠/٦٤)..
٥ يروى البيت الأول:
ينظر الدرر ٦/٤٨، وشرح الأشموني ٢/٤٩، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٣٧، والمقاصد النحوية ٤/٩٧، وهمع الهوامع ٢/١٢٥، والدرر المصون ٦/٥٣٧..
٦ ينظر القرطبي ٢٠/٦٤، واللسان (قلا)..
٧ تقدم..
٨ عجز بيت وصدره:
*** صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ***
ينظر ديوانه ص ٣٥، واللسان (خلل)، والقرطبي ٢٠/٦٤..
٩ سقط من: ب..
١٠ أخرجه البخاري (٨/٥٨٠) كتاب التفسير: باب ما ودعك ربك وما قلى، رقم (٤٩٥٠) ومسلم (٣/١٤٢٢) كتاب الجهاد والسير: باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين رقم (١١٥/١٧٩٧) والترمذي (٥/٤١١) رقم (٣٣٤٥) والنسائي في "الكبرى" (٦/٥١٨) والطبري في "تفسيره" (١٢/٦٢٣) من حديث جندب بن عبد الله بن عبد الله بن سفيان البجلي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
١١ ينظر تفسير القرطبي (٢٠/٦٣)..
١٢ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٤١) وقال رواه الطبراني وأم حفص لم أعرفها.
وذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣/٣٩٦) رقم (٣٨٠٦) وعزاه إلى ابن أبي شيبة في "مسنده"..
٢ نسب البيت إلى سويد بن أبي كاهل، ونسب إلى أبي الأسود الدؤلي، وكذلك نسب لأنس بن زنيم ويروي:
| ليت شعري عن خليلي ما الذي | غاله في الحب حتى ودعه |
٣ ينظر الكشاف ٤/٧٦٦، والقرطبي ٢٠/٦٤، والبحر ٨/٤٨٠، والدر المصون ٦/٥٣٧..
٤ ينظر الجامع لأحكام القرآن (٢٠/٦٤)..
٥ يروى البيت الأول:
| أيا من لست أقلاه | ولا في البعد أنساه |
٦ ينظر القرطبي ٢٠/٦٤، واللسان (قلا)..
٧ تقدم..
٨ عجز بيت وصدره:
*** صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ***
ينظر ديوانه ص ٣٥، واللسان (خلل)، والقرطبي ٢٠/٦٤..
٩ سقط من: ب..
١٠ أخرجه البخاري (٨/٥٨٠) كتاب التفسير: باب ما ودعك ربك وما قلى، رقم (٤٩٥٠) ومسلم (٣/١٤٢٢) كتاب الجهاد والسير: باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين رقم (١١٥/١٧٩٧) والترمذي (٥/٤١١) رقم (٣٣٤٥) والنسائي في "الكبرى" (٦/٥١٨) والطبري في "تفسيره" (١٢/٦٢٣) من حديث جندب بن عبد الله بن عبد الله بن سفيان البجلي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
١١ ينظر تفسير القرطبي (٢٠/٦٣)..
١٢ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٤١) وقال رواه الطبراني وأم حفص لم أعرفها.
وذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣/٣٩٦) رقم (٣٨٠٦) وعزاه إلى ابن أبي شيبة في "مسنده"..