اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والعاديات﴾، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو : الغازيات، من الغزو، ويقال : عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة «المؤمنين ».
قال عامة المفسرين : يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله :﴿ضَبْحاً﴾، فيه أوجه :
أحدها : أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال : ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع ؛ لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ :[ مجزوء الكامل ]
الثاني : أنه مصدر في موضع الحال، أي : ضابحات وذوي ضبح، والضبح : صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه حكاه، فقال : أحٍ أحٍ(٢).
وقال قتادة : تضبح إذا عدت، أي : تحمحم.
وقال الفراء : والضبح : أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل : كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - : أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب(٣)، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه ؛ لأنه روي عنه أنه قال : سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل ؛ وكان علي - رضي الله عنه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت ؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال : تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان : فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً ؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة » إلى «المزدلفة »، ومن «المزدلفة » إلى «منى » يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ : فرجعت إلى قول علي - رضي الله عنه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رضي الله عنهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب :[ الوافر ]
إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك(٥) :«فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ ».
ونقل غيره أن الضبح يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رضي الله عنه :[ الرجز ]
قال شهاب الدين(٧) : وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ، وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد.
الثالث من أوجه النصب : أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي : يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ ».
الرابع : أنه منصوب ب «العَادِياتَ »، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري(٨) :«كأنه قيل : والضابحات ؛ لأن الضبح يكون مع العدو ».
قال أبو حيَّان(٩) :«وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به » انتهى.
قال شهاب الدين(١٠) : لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله : كأنه قيل ؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
قال ابن العربي : أقسم الله تعالى بمحمد ﷺ فقال :﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١، ٢]، وأقسم بحياته فقال :﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال :﴿والعاديات ضَبْحاً﴾.
وقال الشعبيُّ : تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ » فقال علي : هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس : هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ :«فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً » فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل ؟
فقال علي رضي الله عنه : ليس كما قلتَ، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد(١١).
وعلى هذا فالقول :﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي : الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى : الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة ».
قال عامة المفسرين : يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى.
قوله :﴿ضَبْحاً﴾، فيه أوجه :
أحدها : أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال : ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع ؛ لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ.
قال عنترةُ :[ مجزوء الكامل ]
| ٥٢٦٨- والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْ | بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا(١) |
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه حكاه، فقال : أحٍ أحٍ(٢).
وقال قتادة : تضبح إذا عدت، أي : تحمحم.
وقال الفراء : والضبح : أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل : كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة.
ونقل عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - : أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب(٣)، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه ؛ لأنه روي عنه أنه قال : سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل ؛ وكان علي - رضي الله عنه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت ؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال : تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان : فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً ؟ إنما العاديات الإبل من «عرفة » إلى «المزدلفة »، ومن «المزدلفة » إلى «منى » يعني إبل الحاج.
قال ابن عباسٍ : فرجعت إلى قول علي - رضي الله عنه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رضي الله عنهم.
ومنه قول صفية بنت عبد المطلب :[ الوافر ]
| ٥٢٦٩- فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ | بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ(٤) |
ونقل غيره أن الضبح يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس.
وأنشد أبو حنيفة رضي الله عنه :[ الرجز ]
| ٥٢٧٠- حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ | تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ(٦) |
الثالث من أوجه النصب : أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي : يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من «العَاديَاتِ ».
الرابع : أنه منصوب ب «العَادِياتَ »، وإن كان المراد به الصوت.
قال الزمخشري(٨) :«كأنه قيل : والضابحات ؛ لأن الضبح يكون مع العدو ».
قال أبو حيَّان(٩) :«وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به » انتهى.
قال شهاب الدين(١٠) : لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله : كأنه قيل ؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو.
فصل في هذا القسم
قال ابن العربي : أقسم الله تعالى بمحمد ﷺ فقال :﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١، ٢]، وأقسم بحياته فقال :﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال :﴿والعاديات ضَبْحاً﴾.
وقال الشعبيُّ : تمارى عليٌّ وابن عباس في «العَادِياتَ » فقال علي : هي الإبل تعدو في الحج.
وقال ابن عباس : هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ :«فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً » فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل ؟
فقال علي رضي الله عنه : ليس كما قلتَ، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد(١١).
وعلى هذا فالقول :﴿فالموريات قَدْحاً﴾ أي : الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى : الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم ب «المزدلفة ».
١ ينظر الكشاف ٤/٧٨٦، والقرطبي ٢٠/١٥، والبحر ٨/٥٠٠، والدر المصون ٦/٥٥٧..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٦)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦)، عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٤ ينظر القرطبي ٢٠/١٠٦، والبحر ٨/٥٠٠، ومجمع البيان ١٠/٨٠٣، والدر المصون ٦/٥٥٨، وفتح القدير ٥/٤٨٢..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٧٨٨..
٦ ينظر اللسان (صبح)، والبحر ٨/٤٩٩، والدر المصون ٦/٥٥٧..
٧ الدر المصون ٦/٥٥٨..
٨ الكشاف ٤/٧٨٦..
٩ البحر المحيط ٨/٥٠٠..
١٠ الدر المصون (٦/٥٥٨)..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وعزاه إلى عبد بن حميد عن عامر الشعبي..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٦)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦)، عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٤ ينظر القرطبي ٢٠/١٠٦، والبحر ٨/٥٠٠، ومجمع البيان ١٠/٨٠٣، والدر المصون ٦/٥٥٨، وفتح القدير ٥/٤٨٢..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٧٨٨..
٦ ينظر اللسان (صبح)، والبحر ٨/٤٩٩، والدر المصون ٦/٥٥٧..
٧ الدر المصون ٦/٥٥٨..
٨ الكشاف ٤/٧٨٦..
٩ البحر المحيط ٨/٥٠٠..
١٠ الدر المصون (٦/٥٥٨)..
١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٥٢)، وعزاه إلى عبد بن حميد عن عامر الشعبي..