تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( ٣٣ )﴾.
معنى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ.. ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] ألزمنها ولا تكثرن الخروج منها، وهذا أدب للنساء عامة، لأن المرأة إذا شغلت نفسها بعمل المطلوب منها في بيتها وفي خدمة زوجها وأولادها ومصالحهم لما اتسع الوقت للخروج، لذلك كثيرا ما يعود الزوج، فيجد زوجته منهمكة في أعمال البيت، وربما ضاق هو نفسه بذلك ؛ لأنه لا يجدها متفرغة له.
إذن : المرأة المفلسة في بيتها هي التي تكثر الخروج، وتقضي مصالح بيتها من خارج البيت، لو أنها تعلمت الصناعات البسيطة لقضت مصالح بيتها، ووفرت على زوجها، وقد حكوا لنا عن النساء في دمياط مثلا، كيف أن المرأة هناك تعمل كل شيء وتساعد زوجها، حتى أن البنت تتعلم حرفة، ولا ترهق أباها عند زواجها، بل وتوفر من المال ما يساعد زوجها بعد أن تتزوج.
وقوله تعالى :﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.. ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] كلمة التبرج من البرج، وهو الحصن، ومعنى تبرج أي : خرج من البرج وبرز منه، والمعنى : لا تخرجن من حصن التستر، ولا تبدين الزينة والمحاسن الواجب سترها.
وقال ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.. ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] أي : ما كان من التبرج قبل الإسلام، وكانت المرأة ونعني بها الأمة لا الحرة تبدي مفاتن جسمها، بل وتظهر شبه عارية، وكنّ لا يجدن غضاضة في ذلك، وقد رأينا مثل هذا مثلا في إفريقيا.
أما الحرائر في الجاهلية، فكانت لهنّ كرامة وعفّة، في حين كانت تقام للإماء أماكن خاصة للدعارة والعياذ بالله، لذلك لما أخذ رسول الله العهد على النساء المؤمنات ألا يزنين قالت امرأة أبي سفيان(١) : أو تزني الحرة يا رسول الله ؟ يعني : هذا شيء مستنكف من الحرة، حتى في الجاهلية.
ومن معاني البرج : الاتساع، فيكون المعنى : لا توسعن دائرة التبرج التي حددها الشرع، وهي الوجه والكفان.
وفي موضع آخر، قال تعالى :﴿وَالْقَوَاعِدُ(٢) مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ.. ( ٦٠ )﴾ [ النور ].
وتعجب من المرأة تبلغ الخمسين والستين، ثم تراها تضع الأحمر والأبيض، ولا تخجل من تجاعيد وجهها، ولا تحترم السنّ التي بلغتها.
ثم يقول سبحانه :﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ.. ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] كثيرا ما قرن القرآن بين الصلاة والزكاة، وبدأ بالصلاة، لأنها عمدة التكاليف كلها، وإن كنت في الزكاة تنفق بعض المال، والمال فرع العمل، والعمل فرع الزمن، فأنت في الصلاة تنفق الزمن نفسه وتضحي به، فكأنك في الصلاة تنفق نسبة سبعة وتسعين ونصف بالمائة، فضلا عن الاثنين ونصف نسبة الزكاة.
كما يفهم من إيتاء الزكاة هنا أن للمرأة ذمتها المالية الخاصة المستقلة عن ذمة الغير من أب أو زوج أو غيره، بدليل أن الله كلفها بإيتاء الزكاة، لكن الحضارة الحديثة جعلت مال المرأة قبل الزواج للأب، وبعد الزواج للزوج، ثم سلبت المرأة نسبتها إلى أبيها، ونسبتها بعد الزواج لزوجها.
وهذه المسألة أشد على المرأة من سلبها المال ؛ لأن نسبتها لزوجها طمس وتعد على هويتها، وانظر مثلا إلى السيدة عائشة، فما زلنا حتى الآن نقول " عائشة بنت أبي بكر " ولم يقل أحد أنها عائشة امرأة محمد.
ثم يقول تعالى :﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ]لأن المسألة لاتقتصر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إنما هناك أمور أخرى كثيرة تحتاج طاعة الله وطاعة رسول الله.
ونلحظ هنا أن الآية عطفت رسول الله على ربه تعالى، وجاء الأمر واحدا ﴿وأطعن الله ورسوله.. ٣٣﴾( الأحزاب ) وحين نستقرئ هذا الأمر في القرآن الكريم نجده مرة يكرر الفعل، فيقول :﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.. ( ١٢ )﴾[ التغابن ].
ومرة :﴿وَأَطِيعُوا اللَّه والرَّسُولََ.. ( ١٣٢ )﴾[ آل عمران ].
ومرة يقول تعالى :﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ.. ( ٥٩ )﴾[ النساء ].
وهذه الصيغ، لكل منها مدلول ومعنى، فساعة يقول : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، كأن لله في الأمر طاعة في الإجمال، وللرسول طاعة في التفصيل، فالحق سبحانه أمر بالصلاة وأمر بالزكاة أمر إجمال، ثم بيّن الرسول ذلك وفصّل هذا الإجمال، فقال :( صلوا كما رأيتموني أصلي )(٣) وقال :( خذوا عني مناسككم )(٤).
إذن : تكرر الفعل هنا، لأن لله طاعة في إجمال الحكم، وللرسول طاعة في تفصيله، فإن جاء الفعل واحدا ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ.. ( ١٣٢ )﴾ [ آل عمران ] فهذا يعني توارد أمر الله تعالى مع أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فالطاعة إذن واحدة، وهب أن الله تعالى له فعل، ورسوله له فعل، فلا يفصل أحدهما عن الآخر، بدليل قوله تعالى :﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ.. ( ٧٤ )﴾ [ التوبة ].
فلم يقل : وأغناهم رسوله حتى يقول قائل : كل منهما يغني بقدره، إنما جاء الفعل واحدا ﴿أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ.. ( ٧٤ )﴾ [ التوبة ].
واقرأ أيضا قوله تعالى :﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ٦٢﴾( التوبة )ولم يقل : يرضوهما. أما قوله تعالى :﴿أطيعوااللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ.. ( ٥٩ )﴾ [ النساء ] فلم يكرر الأمر بالطاعة مع أولي الأمر، لأنه لا طاعة لولي الأمر إلا من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله.
ثم يقول سبحانه :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] الرجس بالسين هو الرجز بالزاي، وهو القذارة، سواء أكانت حسية كالميتة مثلا، وكالخمر، أو معنوية كالآثام والذنوب، وقد جمعتها الآية :﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٩٠ )﴾ [ المائدة ] وقد يراد بالرجس : النفاق والمرض.
وكلمة ( أهل ) تقال : لعشيرة الرجل، لكنها تطلق في عرف الاستعمال على امرأته، ومن بقية الاصطلاحات لهذا المعنى ما نقوله الآن حين نذهب لزيارة صديق مثلا فنقول : معي الأهل أو الجماعة، والبعض يقول : معي الأولاد، ونقصد بذلك الزوجة، لماذا ؟ قالوا : لأن أمر المرأة مبني على الستر، فإذا كان اسمها مبنيا على الستر، فكذلك معظم تكليفاتها مبنية على الستر في الرجل، ونادرا ما يأتي الحكم خاصا بها.
لذلك، السيدة أسماء بنت عميس(٥) زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة، فلما عادت سألت : أنزل شيء في أمر المرأة في غيبتي ؟ فقالوا لها : لم ينزل شيء، فذهبت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله، ما أعظم خيبتنا وخسارتنا، فليس لنا في الأحكام شيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنكن مستورات في الرجال )(٦).
ومع ذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى :
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( ٣٥ )﴾ [ الأحزاب ].
وتلحظ في هذه الآية أيضا ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] أنها تتحدث عن النساء، لكنها تراعي مسألة ستر المرأة فتعود إلى ضمير الذكور ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ.. ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] ولم تقل عنكن، كذلك في ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( ٣٣ )﴾ [ الأحزاب ] ويصحّ أنه يريد أهل البيت جميعا رجالا ونساء.
١ هي: هند بنت عتبة بن ربيعة، أخبارها قبل الإسلام مشهورة، وشهدت أحدا كافرة وفعلت ما فعلت بحمزة، أسلمت يوم الفتح بعد زوجها أبي سفيان، ماتت في خلافة عثمان. [الإصابة لابن حجر ٨/٢٠٦] وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (١٠/٢٢٦) أن هذا حدث عند مبايعة النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهند هي أم معاوية بن أبي سفيان..
٢ الواعد: هن اللواتي قعدن عن الأزواج. وهي جمع قاعد، وهي المرأة الكبيرة المسنة. وقعدت المرأة عن الحيض والولد تقعد قعودا وهي قاعد: انقطع عنها. [لسان العرب ـ مادة: قعد]..
٣ أخرجه البخاري في صحيحه (٢٣١)، وأحمد في مسنده (٥/٥٣) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما، وصلّوا كما تروني أصلي)..
٤ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر يقول لنا: خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي أن لا أحج بعد حجتي هذه" أخرجه أحمد في مسنده (٣/٣١٨) والنسائي في سننه (٥/٢٧٠)، ومسلم في صحيحه (١٢٩٧)..
٥ هي: أسماء بنت عميس بن الحارث الخثعمي: صحابية، أسلمت قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بمكة، وهاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، ثم قتل عنها جعفر شهيدا في وقعة مؤتة (٨ه) فتزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، وتوفي عنها أبو بكر فتزوجها على بن أبي طالب فولدت له، وماتت بعد علي. وصفها أبو نعيم بمهاجرة الهجرتين ومصلية القبلتين. [الأعلام للزركلي ١/٣٠٦]..
٦ لم أقف على هذا الحديث، ولكن أخرج الإمام أحمد في مسنده (٦/٢٥٦) من حديث عائشة رضي الله عنها: "النساء شقائق الرجال" وكذا الترمذي في سننه (١١٣) قال الخطابي في "معالم السنن" ١/٧٩: "أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شققن من الرجال"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى