جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين : وَقَرْنَ بفتح القاف، بمعنى : واقررن في بيوتكنّ، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولى من اقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلى القاف، كما قيل : فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ، وهو يريد فظللتم، فأسقطت اللام الأولى، وهي مكسورة، ثم نُقلت كسرتها إلى الظاء. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة «وَقِرْنَ » بكسر القاف، بمعنى : كنّ أهل وقار وسكينة فِي بُيُوتِكُنّ.
وهذه القراءة، وهي الكسر في القاف أَولى عندنا بالصواب، لأن ذلك إن كان من الوقار على ما اخترنا، فلا شكّ أن القراءة بكسر القاف، لأنه يقال : وقر فلان في منزله فهو يقر وقورا، فتكسر القاف في تفعل فإذا أمر منه قيل : قرّ، كما يقال من وزن : يزن زن، ومن وَعد : يعِد عِد. وإن كان من القرار، فإن الوجه أن يقال : اقررن، لأن من قال من العرب : ظلت أفعل كذا، وأحست بكذا، فأسقط عين الفعل، وحوّل حركتها إلى فائه في فعل وفعلنا وفعلتم، لم يفعل ذلك في الأمر والنهِي، فلا يقول : ظلّ قائما، ولا تظلّ قائما، فليس الذي اعتلّ به من اعتلّ لصحة القراءة بفتح القاف في ذلك يقول العرب في ظللت وأحسست ظلت، وأحست بعلة توجب صحته لما وصفت من العلة. وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعا منه : ينحطن من الجبل، وهو يريد : ينحططن. فإن يكن ذلك صحيحا، فهو أقرب إلى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الحجة الأخرى.
وقوله : وَلا تَبَرّجْنَ تُبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى قيل : إن التبرّج في هذا الموضع التبخْتُر والتكسّر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى : أي إذا خرجتن من بيوتكنّ قال : كانت لهن مشية وتكسّر وتغنّج، يعني بذلك الجاهلية الأولى فنهاهنّ الله عن ذلك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قوله : وَلا تَبَرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى قال : التبختر. وقيل : إن التبرّج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال.
وأما قوله : تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى فإن أهل التأويل اختلفوا في الجاهلية الأولى، فقال بعضهم : ذلك ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن زكريا، عن عامر وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى قال : الجاهلية الأولى : ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وقال آخرون : ذلك ما بين آدم ونوح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن أبيه، عن الحكم وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى قال : وكان بين آدم ونوح ثمان مائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه، فأنزلت هذه الآية : وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى.
وقال آخرون : بل ذلك بين نوح وإدريس. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن زهير، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال : حدثنا داود، يعني ابن أبي الفرات، قال : حدثنا علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : تلا هذه الاَية : وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى قال : كان فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحا، وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فأجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئا مثل ذلك الذي يزمر فيه الرّعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع مثله، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج الرجال للنساء. قال : ويتزين النساء للرجال، وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحوّلوا إليهنّ، فنزلوا معهنّ، فظهرت الفاحشة فيهنّ، فهو قول الله : وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى.
وأَولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبيّ أن يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك : ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى التي قبل الإسلام.
فإن قال قائل : أَوَ في الإسلام جاهلية حتى يقال : عنى بقوله الجاهِلِيّةِ الأولى التي قبل الإسلام ؟ قيل : فيه أخلاقٌ من أخلاق الجاهلية. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى قال : يقول : التي كانت قبل الإسلام، قال : وفي الإسلام جاهلية ؟ قال : قال النبيّ ﷺ لأبي الدرداء، وقال للرجل وهو ينازعه : يا ابْن فلانة، لأُمّ كان يعيره بها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ :«يا أبا الدّرْدَاءِ إنّ فِيكَ جاهِلِيّةً »، قال : أجاهلية كفر أو إسلام ؟ قال :«بل جاهِلِيّةُ كُفْرٍ »، قال : فتمنيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ. قال : وقال النبيّ ﷺ :«ثَلاثٌ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيّةِ لا يَدَعُهُنّ النّاسُ : الطّعْنُ بالأنْساب، والاستمطار بالكَوَاكِبِ، والنّياحَةُ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قال : أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب، قال له : أرأيت قول الله لأزواج النبيّ ﷺ : وَلا تَبرّجْنَ تَبرّجَ الجاهِلِيّةِ الأُولى هل كانت إلا واحدة، فقال ابن عباس : وهل كانت من أُولى إلا ولها آخرة ؟ فقال عمر : لله درك يابن عباس، كيف قلت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين، هل كانت من أُولى إلا ولها آخرة ؟ قال : فأت بتصديق ما تقول من كتاب الله، قال : نعم وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهادِهِ : كمَا جاهَدْتُمْ أوّلَ مَرّةٍ. قال عمر : فمن أُمر بالجهاد ؟ قال : قبيلتان من قريش : مخزوم، وبنو عبد شمس، فقال عمر : صدقت.
وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم ونوح. وجائز أن يكون ما بين إدريس ونوح، فتكون الجاهلية الآخرة، ما بين عيسى ومحمد، وإذا كان ذلك مما يحتمله ظاهر التنزيل. فالصواب أن يقال في ذلك، كما قال الله : إنه نهى عن تبرّج الجاهلية الأولى.
وقوله : وأقِمْنَ الصّلاةَ وآتِينَ الزّكاةَ يقول : وأقمن الصلاة المفروضة، وآتين الزكاة الواجبة عليكنّ في أموالكنّ، وَأطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولهُ فيما أمراكنّ ونهياكنّ. إنّمَا يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ يقول : إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد، ويطهركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّمَا يَرِيدُ اللّهُ ليُذْهبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهّركُمْ تَطْهيرا . فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء، وخصهم برحمة منه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهيرا، قال : الرجس ههنا : الشيطان، وسوى ذلك من الرجس : الشرك.
اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله أهْلَ البَيْتِ فقال بعضهم : عني به رسول الله ﷺ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، قال : حدثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدريّ، قال : قال رسول الله ﷺ :«نَزَلَتْ هَذِهِ الاَيَةُ فِي خَمْسَةٍ : فِيّ، وفِي عليّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، وَحَسَنٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، وَحُسَيْنٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، وَفاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْها » إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت : قالت عائشة : خرج النبيّ ﷺ ذات غداة، وعليه مِرْطٌ مُرَجّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن، فأدخله معه، ثم قال : إنّمَا يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بكر، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أنس أن النبيّ ﷺ كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر، كلما خرج إلى الصلاة فيقول :«الصّلاةَ أهْلَ البَيْتِ » إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهيرَا.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا يحيى بن إبراهيم بن سويد النخعي، عن هلال، يعني ابن مقلاص، عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة، قالت : كان النبيّ ﷺ عندي، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال :«اللّهُمّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، أذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهّرْهُمْ تَطْهِيرا ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال : أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء، قال : رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبيّ ﷺ، قال : رأيت النبيّ ﷺ إذا طلع الفجر، جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال :«الصّلاةَ الصّلاةَ » إنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرا.
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا الفضل بن دكين، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق، بإسناده عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا الفضل بن دكين، قال : حدثنا عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن أبي عمار، قال : إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا رضي الله عنه، فشتموه فلما قاموا، قال : اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، إني عند رسول الله ﷺ، إذ جاءه عليّ وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال :«اللّهُمّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللّهُمّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهّرْهُمْ تَطْهيرا ». قلت : يا رسول الله وأنا ؟ قال :«وأنْتَ » قال : فوالله إنها لأوثق عملي عندي.
حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا أبو عمرو، قال : ثني شدّاد أبو عمار قال : سمعت واثلة بن الأسقع يحدّث، قا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى