اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم﴾ الآية(١) لما بين أن الكفار في الآخرة ﴿لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ بسائر ما وصفهم(٢) به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال لرسوله :" قُلْ " لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه ﴿مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار﴾ وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه : من ينصرك مني ؟ وهل لك مخلص(٣) ؟
والكلاءة : الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار ﴿مِنَ الرحمن﴾ إن نزل بكم عذابه. يقال : كَلأَهُ الله يَكْلَؤُهُ كِلاَءَةٌ بالكسر كذا ضبطه الجوهري(٤) فهو كالئ ومكلوء.
قال ابن(٥) هرمة(٦) :
٣٧١٧- إنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَاضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَزْرَؤُهَا(٧)
واكْتَلأْتُ منه : احترست، ومنه سُمِّيَ النبات كلأ(٨)، لأنَّ به تقوم بنية البهائم وتحرس. ويقال : بلغ الله بك أكلأ العمر. والمُكَلأُ موضع يحفظ فيه السفن(٩). وفي الحديث :«نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بَالكَالِئ(١٠) » أي : بيع الدين بالدين كأنَّ كُلاًّ من رب الدينين بكلأ الآخر أي : يراقبه.
( وقال ابن عباس : المعنى : مَنْ يمنعكم من عذاب الرحمن(١١).
وقرأ الزهري وابن القعقاع(١٢) «يَكْلُوكُمْ » بضمة خفية دون همز(١٣).
وحكى الكسائي والفراء «يَكْلَوْكُمْ » بفتح اللام وسكون الواو(١٤).
قال شهاب الدين : ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ على الكلو وقفاً(١٥) إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف(١٦) )(١٧).
قوله :«مِنَ الرَّحمنِ » متعلق ب «يَكْلَؤُكُمْ » على حذف مضاف أي من أمر الرحمن أو بأسه كقوله :﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾(١٨) (١٩). «وبِالّلَيْلِ«بمعنى في الليل(٢٠)، وإنما ذكر الليل والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى : من يحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في(٢١) معاشكم(٢٢).
وخص هاهنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله :﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾(٢٣). فخص اسم الكريم تلقيناً(٢٤). قوله :﴿بَلْ هُمْ﴾ إضراب عما تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير : ليس لهم كالئ ولا مانع غير الرحمن(٢٥). والمراد ب «ذِكْرِ رَبِّهِمْ » القرآن ومواعظ الله «مُعْرِضُونَ » لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالئ لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم(٢٦).
١ الآية: سقط من الأصل..
٢ في النسختين: ما وصفه. وما أثبته هو الصواب..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٣..
٤ الصحاح ١/٦٩. هو إسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر الفارابي، كان إماما في اللغة والأدب، صنف كتابا في العروض، ومقدمة في النحو، والصحاح في اللغة، ومات في حدود سنة ٤٠٠ هـ. البغية ١/٤٤٦-٤٤٧..
٥ في ب: بن. وهو تحريف..
٦ هو أبو إسحاق إبراهيم بن هرمة، وهو آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم الخزانة ١/٤٢٤-٤٢٦..
٧ البيت من بحر المنسرح، وهو مطلع قصيدة لإبراهيم بن هرمة، وقد قيل له إنّ قريشا لا تهمز، فقال: لأقولنّ قصيدة أهمزها كلها بلسان قريش. والبيت في مجاز القرآن ٢/٣٩، ومجالس العلماء ١٢٢، أمالي ابن الشجري ١/٢١٥، والمغني ١/٣٨٨-٣٩٦، القرطبي ١١/٢٩١، وشرح شواهد المغني ٢/٨٢٦. سليمى: تصغير سلمى. يكلؤها: يحرسها ويحفظهما. ضنّت: بخلت. يزرؤها: ينقضها.
واستشهد به على أن (يكلؤها) مضارع (كلا) بمعنى يحرسها ويحفظها..

٨ وفي اللسان (كلا): الكلأ: البقل والشجر..
٩ وفي اللسان (كلأ): والملأ، بالتشديد: شاطئ النهر ومرفأ السفن وهو ساحل كل نهر..
١٠ وهو أن يكون لك على رجل دين فإذا حل أجله استباعك ما عليه إلى أجل، انظر النهاية في غريب الحديث ٤/١٩٤، الفائق ٣/٢٧٣..
١١ انظر البغوي ٥/٤٨٨..
١٢ تقدم..
١٣ أي: أن الهمزة صارت بين الهمزة والواو الساكنة، وذلك أن الهمزة إذا كانت مضمومة وقبلها فتحة صارت بين الهمزة والواو الساكنة. انظر الكتاب ٣/٥٤٢، البحر المحيط ٦/٣١٤..
١٤ انظر معاني القرآن ٢/٢٠٤، والبحر المحيط ٦/٣١٤..
١٥ حكى سيبويه في آخر الكلمة أن من العرب من يقول: هذا هو الكَلَوْ، حرصا على البيان، كما قالوا: الوَثَوْ. انظر الكتاب ٤/١٧٨-١٧٩..
١٦ الدر المصون ٥/٥٠..
١٧ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٨ [الرعد: ١١]..
١٩ انظر التبيان ٢/٩١٨..
٢٠ أي: أن الباء بمعنى الظرفية..
٢١ في ب: و..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٤..
٢٣ من قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ [الانفطار: ٦]..
٢٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٤..
٢٥ قاله ابن عطية. تفسير ابن عطية ١٠/١٥٤..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى