الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ : فاعل " يَسْأل " يعود على معلوم، وهم مَنْ حَضَرَ بَدْراً. و " سأل " تارةً تكونُ لاقتضاء معنى في نَفْسِ المسؤول فتتعدَّى ب " عن " كهذه الآية، وكقول الشاعر :
سَلي إنْ جَهِلْتِ الناسَ عنَّا وعنهمُفليس سواءً عالمٌ وجَهولُ
وقد تكون لاقتضاء مالٍ ونحوه فتتعدَّى لاثنين نحو :" سألت زيداً مالاً ". وقد ادَّعى بعضُهم أن السؤالَ هنا بهذا المعنى، وزعم أن " عَنْ " زائدةٌ، والتقدير : يسألونك الأنفالَ، وأيَّد قولَه بقراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وزيدٍ ولدِه ومحمد الباقر ولدِه أيضاً وولده جعفر الصادق وعكرمة وعطاء :" يسألونك الأنفالَ " دون " عن ". والصحيحُ أن هذه القراءةَ على إرادةِ حرفِ الجر. وقال بعضهم :" عن " بمعنى " مِنْ ". وهذا لا ضرورةَ تدعو إليه.
وقرأ ابنُ محيصن :" عَلَّنْفَال ". والأصل : أنه نقل حركةَ الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتدَّ بالحركة العارضة فأدغم النونَ في اللام كقوله :﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقد تقدَّم ذلك في قوله ﴿عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩].
والأنفال : جمع نَفَل وهي الزيادة على الشيء الواجب وسُمِّيَتْ/ الغنيمة نَفَلاً لزيادتِها على حِماية الحَوزة. قال لبيد :
إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْوبإذنِ الله رَيْثي وعَجَلْ
وقال آخر :
إنَّا إذا احْمَرَّ الوغَى نَرْوي القَناونَعِفُّ عند مَقاسِمِ الأنفالِ
وقيل : سُمِّيت " الأَنْفال " لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم. وقال الزمخشري :" والنَّفَل : ما يُنْفَلُه الغازي، أي يُعْطاه زيادةً على سهمه من المَغْنم ".
قوله :﴿ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ : قد تقدَّمَ الكلامُ على " ذات " في آل عمران. وهي هنا صفةٌ لمفعولٍ محذوف تقديره : وأَصْلِحوا أحوالاً ذاتَ افتراقِكم وذاتَ وَصْلِكم، أو ذاتَ المكانِ المتصلِ بكم، فإنَّ " بين " قد قيل إنه يُراد به هنا الفراقُ أو الوصل أو الظرف. وقال الزجاج وغيره :" إنَّ " ذات " هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه " وقد أوضح ذلك ابنُ عطية. والتفسير ببيان هذا أولى.
وقال الشيخ :" والبَيْنُ : الفِراق، و " ذات " نعت لمفعول محذوف أي : وأَصْلِحوا أحوالاً ذات افتراقكم، لمَّا كانت الأحوالُ ملابِسةً للبَيْن أُضِيْفَتْ صفتُها إليه، كما تقول : اسْقِني ذا إنائك أي : ماءً صاحبَ إنائك، لَمَّا لابس الماءُ الإِناءَ وُصِفَ ب " ذا " وأُضيف على الإِناء. والمعنى : اسقِني ما في الإِناء من الماء ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى