زهرة التفاسير — أبو زهرة
عن الكتاب
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ١ ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( ٢ ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( ٣ ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( ٤ )
قال تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾
الأنفال : جمع نفل بفتح الفاء، وهو هنا الغنائم، وسميت أنفالا ؛ لأن النفل هو الزيادة، لأنها ليست في مقابل، حتى تكون أجرة للمحارب كالمرتزقة من الجنود في هذا الزمان، وإنما أجر المجاهد عند ربه، وثوابه ورضوانه أعظم، فهي زيادة على ثواب الجهاد، وقد جعلت الغنائم من خواص الرسالة المحمدية.
ويطلق على الغنيمة، وقد يطلق على كل ما يؤخذ من العدو من غير قتال كالفيء، وقد يطلق على ما نفله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خمس الله ورسوله لبعض المؤمنين، ومنه ما كان يعطي للمؤلفة قلوبهم، ومهما يكن ما يعطي من نفل غير ما يكون في الجهاد، فإن الظاهر المراد من الأنفال الغنائم التي غنمت في غزوة، فقد جاءت قريش بخيلها ورجلها، وكثير من مالها، فآل ذلك كله للمؤمنين المنتصرين، فأخذ كل من المجاهدين ما عهده حقا له دون غيره، وثبت في الصحاح بعض الاختلاف، إذ لم يكن ثمة منهاج يتبع، ولم يكن لهم بهذه الغنائم في الإسلام مثال يحتذي، فيروي الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت أنه قال :( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله تبارك وتعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر ؛ يحوزونه ويجمعونه، وأحذقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم لبعض قال الذين جمعوا الغنائم : نحن جمعنها وحويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لستم بأحق بها منا، نحن الذين أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به قوله تعالى :﴿يسألونك عن الأنفال﴾ ( ١ )(١)، ولقد حاول بعض المجاهدين أن يأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، فيروي الإمام أحمد لاعن سعد بن أبي وقاص قال :( لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى الكتيفة، فأتيت به نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اذهب فاطرحه في القبض – وهو المكان الذي تجمع فيه الغنائم – قال فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا اله من قتل أخي، وأخذ سلبي قال : فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ إلى آخر الآية ) ( ٢ )(٢).
لم يكن بالمسلمين عهد بالغنائم ولا تقسيمها، فاختلفوا في ذلك، فأنزل الله تعالى أنها لله تعالى ورسوله يضعانها حيث تكون القسمة العادلة التي تجمع بين العدل والمصلحة، وقد أخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقسمها حيث أراه الله.
وهل قسمها قسمة الغنائم المنصوص عليها في قوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ إلى آخر السورة ! !.
يرجح بعض الرواة أنه لم تكن نزلت آية الغنائم فقسمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المحاربين بالسوية، ورجح ابن كثير أنه قسمها قسمة الغنائم في قوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول...............﴾.
واستأنس لذلك بما روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه كانت له شارفتان أخذهما من الخمس ؛ بمقتضى الآية الكريمة.
ولقد قال الزمخشري : إن من الخلاف في الأنفال، أن المهاجرين طلبوها دون الأنصار ؛ لأنها بدل عما اغتصب من أموالهم عند الهجرة، ولكن ذلك لا سند له من الرواية، فلعله قاسه الزمخشري، ولعل عنده رواية ولم يذكر نقلها.
بعد الإجابة عن التساؤل عن الأنفال، وكانت بادرة خلاف، وإن كان قد حسمه الإيمان والجهاد واحتساب النية لله، وأن الأمر آل إلى أعدل العادلين وأحكم الحاكمين.
ولكن الله تعالى دعا إلى الادراع بالتقوى، حتى يسد منافذ الخلاف ومثارات الشيطان فقال آمرا بكل ما يقتضي على الخلاف في موطنه، فقال تعالى :
﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
أمرهم سبحانه بأمور أربعة وقاية من النزاع، وإبقاء للمودة :
أولها – التقوى، فإن القلوب إذا امتلأت بالتقوى لم يكن للشيطان منفذ، ولم يكن للخلاف موضع، و ( الفاء ) في قوله تعالى :﴿فاتقوا الله﴾ فاء الإفصاح ؛ لأن المعنى إذا كان الأمر في القسمة لله ورسوله، ففرغوا أنفسكم لتقوى الله، ولا تشغلوا أنفسكم بالمال وتقسيمه، فقسمة الله هي العدل والمصلحة معا، وهي العدل والحق والنظام.
وثانيها – في قوله تعالى :﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ وهي الأمر الذي يربطكم، فليس المراد البين نفسه، إنما المراد ذات الرابط، وهو كما قلنا المودة الواصلة، ومعنى إصلاحه رعايته، وتعهده، بأن تكون المودة ملاحظة في كل ما يربطنا، فيكون الإيثار بدل الأثرة، والمحبة الموصولة بدل الحرص المفرق.
الأمر الثالث والرابع – طاعة الله ورسوله بألا تجعلوا لأنفسكم إرادة بجوار إرادة الله، وأن تجعلوا الله ملء أسماعكم، وطاعة رسوله هي سنة حياتكم.
وقد بين سبحانه أن ملاحظة هذه الأمور هي نور الإيمان وموجبته، ولا إيمان إلا كانت معه هذه الأمور، ولذا قال تعالى :﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي إن كان الإيمان حالة نفسية ملازمة لكم.
وقد قال الزمخشري :( جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته ؛ ليعلم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها ).
قال تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾
الأنفال : جمع نفل بفتح الفاء، وهو هنا الغنائم، وسميت أنفالا ؛ لأن النفل هو الزيادة، لأنها ليست في مقابل، حتى تكون أجرة للمحارب كالمرتزقة من الجنود في هذا الزمان، وإنما أجر المجاهد عند ربه، وثوابه ورضوانه أعظم، فهي زيادة على ثواب الجهاد، وقد جعلت الغنائم من خواص الرسالة المحمدية.
ويطلق على الغنيمة، وقد يطلق على كل ما يؤخذ من العدو من غير قتال كالفيء، وقد يطلق على ما نفله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خمس الله ورسوله لبعض المؤمنين، ومنه ما كان يعطي للمؤلفة قلوبهم، ومهما يكن ما يعطي من نفل غير ما يكون في الجهاد، فإن الظاهر المراد من الأنفال الغنائم التي غنمت في غزوة، فقد جاءت قريش بخيلها ورجلها، وكثير من مالها، فآل ذلك كله للمؤمنين المنتصرين، فأخذ كل من المجاهدين ما عهده حقا له دون غيره، وثبت في الصحاح بعض الاختلاف، إذ لم يكن ثمة منهاج يتبع، ولم يكن لهم بهذه الغنائم في الإسلام مثال يحتذي، فيروي الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت أنه قال :( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله تبارك وتعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر ؛ يحوزونه ويجمعونه، وأحذقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم لبعض قال الذين جمعوا الغنائم : نحن جمعنها وحويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لستم بأحق بها منا، نحن الذين أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به قوله تعالى :﴿يسألونك عن الأنفال﴾ ( ١ )(١)، ولقد حاول بعض المجاهدين أن يأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، فيروي الإمام أحمد لاعن سعد بن أبي وقاص قال :( لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى الكتيفة، فأتيت به نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اذهب فاطرحه في القبض – وهو المكان الذي تجمع فيه الغنائم – قال فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا اله من قتل أخي، وأخذ سلبي قال : فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ إلى آخر الآية ) ( ٢ )(٢).
لم يكن بالمسلمين عهد بالغنائم ولا تقسيمها، فاختلفوا في ذلك، فأنزل الله تعالى أنها لله تعالى ورسوله يضعانها حيث تكون القسمة العادلة التي تجمع بين العدل والمصلحة، وقد أخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقسمها حيث أراه الله.
وهل قسمها قسمة الغنائم المنصوص عليها في قوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ إلى آخر السورة ! !.
يرجح بعض الرواة أنه لم تكن نزلت آية الغنائم فقسمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المحاربين بالسوية، ورجح ابن كثير أنه قسمها قسمة الغنائم في قوله تعالى :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول...............﴾.
واستأنس لذلك بما روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه كانت له شارفتان أخذهما من الخمس ؛ بمقتضى الآية الكريمة.
ولقد قال الزمخشري : إن من الخلاف في الأنفال، أن المهاجرين طلبوها دون الأنصار ؛ لأنها بدل عما اغتصب من أموالهم عند الهجرة، ولكن ذلك لا سند له من الرواية، فلعله قاسه الزمخشري، ولعل عنده رواية ولم يذكر نقلها.
بعد الإجابة عن التساؤل عن الأنفال، وكانت بادرة خلاف، وإن كان قد حسمه الإيمان والجهاد واحتساب النية لله، وأن الأمر آل إلى أعدل العادلين وأحكم الحاكمين.
ولكن الله تعالى دعا إلى الادراع بالتقوى، حتى يسد منافذ الخلاف ومثارات الشيطان فقال آمرا بكل ما يقتضي على الخلاف في موطنه، فقال تعالى :
﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
أمرهم سبحانه بأمور أربعة وقاية من النزاع، وإبقاء للمودة :
أولها – التقوى، فإن القلوب إذا امتلأت بالتقوى لم يكن للشيطان منفذ، ولم يكن للخلاف موضع، و ( الفاء ) في قوله تعالى :﴿فاتقوا الله﴾ فاء الإفصاح ؛ لأن المعنى إذا كان الأمر في القسمة لله ورسوله، ففرغوا أنفسكم لتقوى الله، ولا تشغلوا أنفسكم بالمال وتقسيمه، فقسمة الله هي العدل والمصلحة معا، وهي العدل والحق والنظام.
وثانيها – في قوله تعالى :﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ وهي الأمر الذي يربطكم، فليس المراد البين نفسه، إنما المراد ذات الرابط، وهو كما قلنا المودة الواصلة، ومعنى إصلاحه رعايته، وتعهده، بأن تكون المودة ملاحظة في كل ما يربطنا، فيكون الإيثار بدل الأثرة، والمحبة الموصولة بدل الحرص المفرق.
الأمر الثالث والرابع – طاعة الله ورسوله بألا تجعلوا لأنفسكم إرادة بجوار إرادة الله، وأن تجعلوا الله ملء أسماعكم، وطاعة رسوله هي سنة حياتكم.
وقد بين سبحانه أن ملاحظة هذه الأمور هي نور الإيمان وموجبته، ولا إيمان إلا كانت معه هذه الأمور، ولذا قال تعالى :﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي إن كان الإيمان حالة نفسية ملازمة لكم.
وقد قال الزمخشري :( جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته ؛ ليعلم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها ).
١ مسند أحمد: باقي مسند الأنصار – حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (٢٢٢٥٦)..
٢ رواه أحمد: مسند العشرة المبشرين – مسند أبي إسحاق بن أبي وقاص (١٥٥٩)، كما رواه مسلم: السير والجهاد (١٧٤٨)..
٢ رواه أحمد: مسند العشرة المبشرين – مسند أبي إسحاق بن أبي وقاص (١٥٥٩)، كما رواه مسلم: السير والجهاد (١٧٤٨)..