التفسير الشامل — أمير عبد العزيز
عن الكتاب
بيان تفصيلي للسورة
بسم الله الرحمان الرحيم
قوله تعالى :﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ١ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ٢ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ٣ أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾.
في سبب نزل هذه الآية روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم اله تعالى العدو فانطلقت طائفة في أثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فزلت :﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ الآية.
وروي الإمام احمد أيضا عن أبي أمامة قال : سألت عبادة عن الأنفال فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء ؛ أي عن سواء(١).
إذ تبين ذلك، فإنه رب سائل يسأل عن مثل هذا الاختصام على المال والغنيمة بين الرعيل الأول، أو الصفوة الأولى من المسلمين وهم الصحابة. ولا داعي للاستغراب أو العجب، وإذا تذكرنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر من البشر وإن كانوا كراما عظاما مميزين في عطائهم وإخلاصهم وجزيل فضلهم وصنيعهم. فهم بشر تسري فهن طبائع الأناسي المخاليق. لا عجب ولا الحالة هذه أن تتجلى فيهم ظواهر الآدمية الأساسية كالرغبة في الامتلاك، والخصام من أجل تحصيله. ومثل هذه الظواهر والخصال الخليقة لا ينجو منها كائن عاقل إلا أن يكون مميزا بنبوة أو وحي، أو كان من جنس الملائكة النورانيين. أما غير هؤلاء من بن آدم ؛ فإنهم قد جيء بهم على هذه الطبيعة ذات الاستعداد المزدوج من السمو في مدارج الكمال وجنوح النفس لأخذ بحظها من الدنيا كالمال ونحوه. ومع ذلك كله فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظيم فضلهم وروعة صنيعهم وهائل تضحياتهم وكامل إيثارهم يظلون الصفوة المفضلة التي تأتي في المقدمة من سلم البشرية.
وإذا ما قورنت بالصحابة بقية الناس من سائر البشر، كان البون بين الفريقين كالبون بين المشرقين. فلا مجال بعد ذلك لمتعثر أفاك أن يفتري الكذب والغمر على خير طائفة أقلتها هذه الأرض. لا جرم أن طائفة الصحابة نجوم الدنيا/ فيستضاء بنورهم وعلمهم طوال هذا الزمان بالرغم من افتراء الكاذبين والحاقدين والحاسدين.
أما الأنفال، فهي جمع نفل بالتحريك، ومعناه الغنية والهبة. والنفل : الزيادة على الواجب، وهو التطوع. والنافلة معناها الغنيمة والعطية(٢). ومعنى الآية : يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي اغتنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي، فقل هي لله ولرسوله. أي أن حكمها مختص بالله ورسوله، فيأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته. والرسول صلى الله عليه وسلم من جهته يمتثل أمر الله فيها. فليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد منكم.
ولا ينبغي التساؤل في هذا الصدد –كما يتساءل كثير من خصوم الإسلام والمارقين- عن طبيعة المنطق الذي يجوز بمقتضاه اغتنام أموال الكافرين في الحرب. وجواب ذلك أن الكافرين أهل الفساد وباطل، وهم بكفرهم وتمردهم على منهج الله الحق، سادرون في غيهم وظلمهم في هذه الدنيا. وهم بأموالهم يتقوون على الإفساد وإشاعة الخراب والشر، ويزدادون به قدرة على الإيذاء والإضرار بالعباد ؛ لأنهم عاتون ظالمون لا تأخذهم في البشرية رحمة ولا عدل ولا لين. فلزم بذلك أن يجردوا من الأسباب التي تمكنهم من إشاعة الفتن والمصائب والمخاوف والفوضى بين الشعوب. وأبزر سبب في هاتيك الأسباب، الأموال وهي سبيل التعزيز والتقوية للظالمين المفسدين في الأرض. وعلى هذا لا غرابة في تقدير المنطق السليم ان تنتزع أموال هؤلاء الذين يؤذون البشر ويعتدون على الناس بقوتهم وكل طاقاتهم العقلية والمادية، وفي طليعتها المال الذي يوطئ لهم سبيل الظلم والعدوان ؛ فلا غضاضة بذلك في انتزاع هذه الوسيلة إذهابا لكيد الظالمين المعتدين، وإخمادا لمكرهم أن يمس العالمين.
قوله :﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ أي خافوا الله بطاعة أوامره واجتناب معاصيه ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ أي أصلحوا حال ما بينكم. أو أصلحوا ما بينكم من الحال حتى تكون حال ألفة وحبة واتفاق وليس حال ما تخاصم واستياب وتشاح. ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ أي انتهوا أيها الذين طلبتهم الأنفال، إلى أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أفاءه عليكم ؛ فقد بين الله لكم وجوه ما أفاءه عليكم وكيفية تقسيمه ؛ فأطيعوا والتزموا ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي إن كنتم مصدقين رسول الله فيما أتاكم به من عند الله ؛ فسلموا لله ولرسوله فيما حكم في الأنفال.
بسم الله الرحمان الرحيم
قوله تعالى :﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ١ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ٢ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ٣ أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾.
في سبب نزل هذه الآية روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم اله تعالى العدو فانطلقت طائفة في أثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو : لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فزلت :﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ الآية.
وروي الإمام احمد أيضا عن أبي أمامة قال : سألت عبادة عن الأنفال فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء ؛ أي عن سواء(١).
إذ تبين ذلك، فإنه رب سائل يسأل عن مثل هذا الاختصام على المال والغنيمة بين الرعيل الأول، أو الصفوة الأولى من المسلمين وهم الصحابة. ولا داعي للاستغراب أو العجب، وإذا تذكرنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر من البشر وإن كانوا كراما عظاما مميزين في عطائهم وإخلاصهم وجزيل فضلهم وصنيعهم. فهم بشر تسري فهن طبائع الأناسي المخاليق. لا عجب ولا الحالة هذه أن تتجلى فيهم ظواهر الآدمية الأساسية كالرغبة في الامتلاك، والخصام من أجل تحصيله. ومثل هذه الظواهر والخصال الخليقة لا ينجو منها كائن عاقل إلا أن يكون مميزا بنبوة أو وحي، أو كان من جنس الملائكة النورانيين. أما غير هؤلاء من بن آدم ؛ فإنهم قد جيء بهم على هذه الطبيعة ذات الاستعداد المزدوج من السمو في مدارج الكمال وجنوح النفس لأخذ بحظها من الدنيا كالمال ونحوه. ومع ذلك كله فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظيم فضلهم وروعة صنيعهم وهائل تضحياتهم وكامل إيثارهم يظلون الصفوة المفضلة التي تأتي في المقدمة من سلم البشرية.
وإذا ما قورنت بالصحابة بقية الناس من سائر البشر، كان البون بين الفريقين كالبون بين المشرقين. فلا مجال بعد ذلك لمتعثر أفاك أن يفتري الكذب والغمر على خير طائفة أقلتها هذه الأرض. لا جرم أن طائفة الصحابة نجوم الدنيا/ فيستضاء بنورهم وعلمهم طوال هذا الزمان بالرغم من افتراء الكاذبين والحاقدين والحاسدين.
أما الأنفال، فهي جمع نفل بالتحريك، ومعناه الغنية والهبة. والنفل : الزيادة على الواجب، وهو التطوع. والنافلة معناها الغنيمة والعطية(٢). ومعنى الآية : يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي اغتنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي، فقل هي لله ولرسوله. أي أن حكمها مختص بالله ورسوله، فيأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته. والرسول صلى الله عليه وسلم من جهته يمتثل أمر الله فيها. فليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد منكم.
ولا ينبغي التساؤل في هذا الصدد –كما يتساءل كثير من خصوم الإسلام والمارقين- عن طبيعة المنطق الذي يجوز بمقتضاه اغتنام أموال الكافرين في الحرب. وجواب ذلك أن الكافرين أهل الفساد وباطل، وهم بكفرهم وتمردهم على منهج الله الحق، سادرون في غيهم وظلمهم في هذه الدنيا. وهم بأموالهم يتقوون على الإفساد وإشاعة الخراب والشر، ويزدادون به قدرة على الإيذاء والإضرار بالعباد ؛ لأنهم عاتون ظالمون لا تأخذهم في البشرية رحمة ولا عدل ولا لين. فلزم بذلك أن يجردوا من الأسباب التي تمكنهم من إشاعة الفتن والمصائب والمخاوف والفوضى بين الشعوب. وأبزر سبب في هاتيك الأسباب، الأموال وهي سبيل التعزيز والتقوية للظالمين المفسدين في الأرض. وعلى هذا لا غرابة في تقدير المنطق السليم ان تنتزع أموال هؤلاء الذين يؤذون البشر ويعتدون على الناس بقوتهم وكل طاقاتهم العقلية والمادية، وفي طليعتها المال الذي يوطئ لهم سبيل الظلم والعدوان ؛ فلا غضاضة بذلك في انتزاع هذه الوسيلة إذهابا لكيد الظالمين المعتدين، وإخمادا لمكرهم أن يمس العالمين.
قوله :﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ أي خافوا الله بطاعة أوامره واجتناب معاصيه ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ أي أصلحوا حال ما بينكم. أو أصلحوا ما بينكم من الحال حتى تكون حال ألفة وحبة واتفاق وليس حال ما تخاصم واستياب وتشاح. ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ أي انتهوا أيها الذين طلبتهم الأنفال، إلى أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أفاءه عليكم ؛ فقد بين الله لكم وجوه ما أفاءه عليكم وكيفية تقسيمه ؛ فأطيعوا والتزموا ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي إن كنتم مصدقين رسول الله فيما أتاكم به من عند الله ؛ فسلموا لله ولرسوله فيما حكم في الأنفال.
١ تفسير ابم كثير جـ ٢ ص ٢٨٣ وأسباب النزول للنيسابوري ص ١٥٥..
٢ القاموس المحيط جـ ٤ ص ٦٠..
٢ القاموس المحيط جـ ٤ ص ٦٠..