مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي

عن الكتاب
سورة الأنفال
مدنية، غير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فإنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، خمس وسبعون آية، ألف ومائتان وثلاث وأربعون كلمة، خمسة آلاف وثلاثمائة وثمانية وثمانون حرفا
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ أي يسألك يا أشرف الخلق أصحابك منهم: سعد بن أبي وقاص أو قرابتك عن الغنائم يوم بدر وسميت الغنائم أنفالا، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، ولأنها عطية من الله تعالى زائدة على الثواب الأخروي للجهاد. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي قل يا أشرف الخلق حكم الأنفال يوم بدر مختص به تعالى يقسمها الرسول صلّى الله عليه وسلّم كيف أمر به من غير أن يدخل فيه رأي أحد فَاتَّقُوا اللَّهَ في أخذ الغنائم واتركوا المنازعة فيها وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي أصلحوا الحال فيما بينكم بترك النزاع وتسليم أمر الغنائم إلى الله ورسوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في أمر الصلح وارضوا بما حكم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) فالإيمان لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة فاحذروا الخروج عنها إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي إنما الكاملون في الإيمان الذين فزعت قلوبهم لمجرد ذكر الله من غير أن يذكر هناك ما يوجب الفزع من صفاته وأفعاله استعظاما له تعالى.
وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال.
أما خوف العقاب: فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة: فهو لا يزول عن قلب أحد من المحققين سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ أي الله التي هي القرآن زادَتْهُمْ إِيماناً أي يقينا بقول الله وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) أي ويعتمدون بالكلية على فضل الله وينقطعون بالكلية عما سوى الله الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يتمون الصلوات الخمس بحقوقها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أي ويؤدون زكاة أموالهم أُولئِكَ أي الموصوفون بالصفات الخمس هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي
إيمانا حقا، لأنهم حققوا إيمانهم بضم الأعمال القلبية والقالبية إليه لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فمراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة وَمَغْفِرَةٌ بأن يتجاوز الله عن سيئاتهم.
وقال العارفون: هي إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) - قال هشام بن عروة هو ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) أي إنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من المدينة بسبب حق يظهر وهو علو كلمة الإسلام والنصر على أعداء الله، والحال أن فريقا من المؤمنين لكارهون الخروج للقتال لقلة العدد، أو المعنى الأنفال ثابتة لله ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك بالمدينة بالحق أي بالوحي،
وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم: أبو سفيان، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام. فأخبر جبريل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا وبلغوا وادي دقران وهو قريب من الصفراء نزل عليه صلّى الله عليه وسلّم جبريل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي أصحابه فقال: «ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟» - وهو اسم عسكر مجتمع- فقالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو.
فتغير وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم ردد عليهم فقال: «إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل» - أي بجميع أهل مكة- «ومضى إلى بدر» فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير، ودع العدو. فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقام عند ذلك أبو بكر وعمر فأحسنا في القول، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض، فو الله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال مقداد بن عمرو: يا رسول الله امض كما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف، فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس». فقال سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقي بنا عدونا وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله ففرح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبسطه قول سعد ثم قال صلّى الله عليه وسلّم: «سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم»
«١». يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ تلقي النفير
(١) رواه الطبري في التفسير (٩: ١٢٤)، وابن كثير في التفسير (٣: ٥٥٧)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣: ٣٤)، وابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٦٢).
بَعْدَ ما تَبَيَّنَ أي بعد إعلامك أنهم ينصرون أينما توجهوا وجدالهم هو قولهم ما كان خروجنا إلا للعير وهلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له وكان ذلك لكراهتهم القتال كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف إلى القتل والحال أنهم ينظرون إلى أسباب الموت وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ أي واذكروا وقت أن يعدكم الله بأن إحدى الطائفتين العير أو العسكر مختصة بكم تسلطون عليها تسلط الملاك وتنصرفون فيهم كيف شئتم وَتَوَدُّونَ أي وتحبون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي القوة تَكُونُ لَكُمْ وهو العير إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، ورئيسهم أبو سفيان وذات الشوكة: وهي العسكر وهم ألف مقاتل ورئيسهم أبو جهل وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي يثبت النصر على الأعداء بِكَلِماتِهِ أي بأسباب النصر من أوامره تعالى للملائكة بالإمداد وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) والمعنى أنتم تريدون سفساف الأمور وهو العير للفوز بالمال والله تعالى يريد معاليها بأن تتوجهوا إلى النفير لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين لِيُحِقَّ الْحَقَّ أي ليظهر الشريعة ويقوى الدين وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي وليظهر بطلان الباطل بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) أي المشركون ذلك الإظهار إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ أي تطلبون منه الغوث كأن يقولوا: ربنا انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا أي فرّج عنا.
قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف استقبل القبلة ومديده وهو يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» «١» ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر، ثم التزمه ثم قال: كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فنزلت هذه الآية
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ بدل من «إذ يعدكم» معمول لعامله، ويجوز أن يكون العامل في «إذ» هو قوله تعالى: «ويبطل الباطل» فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ أي معينكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩).
وقرأ عيسى بن عمر، ويروى أيضا عن عمرو «إني» بكسر الهمزة على إضمار القول، أو على إجراء «استجاب» مجرى قال. والعامة على فتح الهمزة بتقدير حرف الجر. وقرأ نافع أبو بكر بن عاصم، ويروى عن قنبل أيضا «مردفين» بفتح الدال، أي إن الله أردف المسلمين بهم وأيدهم بهم بمعنى إن الملائكة كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم. والباقون بكسرها أي متتابعين يأتي بعضهم إثر بعض.
(١) رواه أحمد في (م ١/ ص ٣٢).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى