الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿يسئلونك عن الانفال﴾، إلى قوله :﴿مومنين﴾[ ١ ].
قال أبو حاتم(١) : الوقف على ﴿ذات﴾ ب : " الهاء "، وكل العلماء قال : ب " التاء " ؛ لأنها مضافة(٢)، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة(٣).
وقرأ سعد(٤) بن أبي وقاص : " يسئلونك الأنفال "، بغير ﴿عن﴾(٥).
والمعنى : يسألك(٦) أصحابك، يا محمد عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي ؟ فقيل للنبي ﷺ : قل يا محمد : هي لله والرسول(٧).
و﴿الانفال﴾ : الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء(٨).
فأكثر العلماء الذين جعلوها : الغنائم، على أنها منسوخة بقوله :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية(٩).
وقيل :﴿الانفال﴾ هي زيادات تزيدها الأئمة لمن شاء(١٠)، إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين(١١)، فهي محكمة. وروي(١٢) ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس(١٣).
وقيل ﴿الانفال﴾ : ما شد من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن يُنفل ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحا. قاله(١٤) الحسن(١٥).
﴿الانفال﴾ : جمع " نفل " (١٦)، و " النفل " : الغنيمة(١٧)، سميت بذلك، لأنها تفضل من الله عز وجل على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها.
وقوله :﴿قل الانفال لله﴾، يدل على أنهم سألوا لمن هي(١٨).
وقوله :﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾[ ١ ]، يدل على أن سؤالهم كان بعد تنازع فيها.
وقيل ﴿الانفال﴾ : السرايا(١٩). قاله علي بن صالح(٢٠).
وقال مجاهد ﴿الانفال﴾ : الخمس(٢١).
وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي ﷺ، زاد(٢٢) قوما لبلاء أبلوا، فاختلفوا فيها، بعد تقضي(٢٣) الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أن ما فعل النبي ﷺ، ماض جائز(٢٤).
وروى ابن عباس ( رضي الله عنه )(٢٥)، أن النبي ﷺ، قال : " من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا "، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما جعل لهم النبي ﷺ فقال الأشياخ : لا يذهبوا بذلك دوننا ! (٢٦) فأنزل الله عز وجل :﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾(٢٧) الآية.
وقيل : إن النبي ﷺ، سُئل شيئا من الغنائم قبل أن تقسم فامتنع من ذلك، فنزلت :﴿قل الانفال لله والرسول﴾ فرخص(٢٨) الله عز وجل، له أن يعطي من أراد(٢٩).
و[ قيل ](٣٠) : إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فأُعلموا أن ذلك لله والرسول(٣١).
و﴿عن﴾ في موضع : " مِن " (٣٢).
وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل : " يسئلونك الانفال " (٣٣).
وذكر ابن وهب(٣٤) : أنها نزلت في رجلين أصابا سيفا من النفل، فاختصما فيه إلى رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ : " هو لي وليس لكما "، فنزل :﴿قل الانفال لله والرسول﴾، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله(٣٥) ورسوله في ما أمرهما به النبي ﷺ، /من دفع(٣٦) السيف إليه، ثن نُسخ ذلك بقوله :﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ الآية(٣٧).
وروي أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي ﷺ، : سعد بن مالك بن وهيب الزهري(٣٨)، ورجل من الأنصار، فأُمرا(٣٩) في الآية أن يسلماه إلى النبي ﷺ، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي ﷺ، وغير ذلك(٤٠).
وقيل : إن أهل القوة يوم بدر غنموا أكثر مما غنم أهل الضعف، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت :﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾(٤١).
وقيل : إنهم اختلفوا في الغنائم، فنزلت :﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾(٤٢).
" والبين " (٤٣) هنا : " الوصل " (٤٤).
أُمِروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال : كونوا مجتمعي(٤٥) القلوب.
وأنثت ﴿ذات﴾ ؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها(٤٦).
وذكر إسماعيل القاضي(٤٧) : أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو : نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حفَّت بالنبي ﷺ نحن أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم : نحن أولى، فأنزل الله تعالى، الآيات في ذلك(٤٨).
١ سهل بن محمد السجستاني..
٢ قال أبو حيان في البحر ٤/٤٥٣: و﴿ذات﴾ هنا: نعت لمفعول محذوف، أي: وأصلحوا أحوالا ذا افتراقكم، لما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت صفتها إليه..."..
٣ قال في مشكل إعراب القرآن ١/٣٠٩: "وكل العلماء والقراء وقفوا على ﴿ذات﴾ بـ:"التاء" إلا أبا حاتم فإنه أجاز الوقف عليها بـ: "الهاء". وأورده ابن الأنباري في البيان في غريب إعراب القرآن ١/٣٨٣، من غير عزو..
٤ في الأصل، و"ر": سعيد، وهو تحريف، صوابه من مصادر التوثيق أسفله..
٥ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٥، والمختصر في شواذ القرآن ٥٤، وعزاها إلى ابن مسعود، والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ١/٢٧٢، وزاد نسبتها إلى ابن مسعود، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، وجعفر بن محمد، وطلحة بن مصرف، وزاد المسير ٣/٣١٨. وزاد نسبتها إلى ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأبي العالية، والبحر المحيط ٤/٤٥٣، وزاد نسبتها إلى ابن مسعود، وعلي بن الحسين، وولديه: زيد ومحمد الباقر، وولده جعفر الصادق، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وطلحة بن مصرف..
٦ في الأصل: يسألونك..
٧ جامع البيان ١٣/٣٦١..
٨ جامع البيان ١٣/٣٦١، ٣٦٢، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٢، وزاد نسبته إلى الضحاك، وعطاء الخرساني، ومقاتل بن حيان، وغير واحد. وهو أيضا قول الحسن، وأبي عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين، كما في زاد المسير ٣/٣١٨..
٩ الأنفال: ٤١.
قال في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٩٥: "روي عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: أن هذا منسوخ بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ الآية.
قال ابن عباس: ﴿الانفال﴾: الغنائم، كانت للنبي صلى الله عليه وسلمن خاصة، ثم نسخها: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾، وقاله الضحاك والشعبي. وأكثر الناس على أنها محكمة".
وقال الطبري في جامع البيان ١٣/٣٨٢: "وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ... وغير جائز، أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها...".
قال ابن العربي في الناس والمنسوخ ٢٢٤: "وقال الأكثر: إنها محكمة...". وهو اختيار ابن الجوزي في نواسخ القرآن ٣٤٤..

١٠ كذا في المخطوطتين، ولعله: لمن تشاء، كما في نص الإيضاح الآتي، هامش ٨..
١١ وهو القول الذي صوبه الطبري في جامع البيان ١٣/٢٦٥، ٢٦٦..
١٢ في "ر": روي..
١٣ قال في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: "قال ابن عباس، وفي رواية عنه أخرى: هي محكمة، وللإمام أن ُنفل من الغنائم ما شاء لمن يشاء لبلاء أبلاه، وأن يُرضخ لمن لم يقاتل إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين"، انظر: جامع البيان ١٣/٣٦٣، وما بعدها..
١٤ في الأصل: قوله، وهو تحريف..
١٥ قال في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: "وقال عطاء، والحسن: هي أيضا محكمة مخصوصة في من شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو أمة أو متاع، أو دابة، فهو نفل للإمام أن يصنع فيه ما يشاء" انظر: جامع البيان ١٣/٣٦٣، وما بعدها، فعنه نقل مكي..
١٦ بتحريك الفاء. و"النفل" في اللغة: هو الزيادة، ومنها "نفل الصلاة، وهو الزيادة على فرضها، وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد، والغنيمة نافلة؛ لأنها زيادة فيما أحل لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها". أحكام ابن العربي ٢/٨٣٥. وينظر: تفسير ابن كثير ٢/٢٨٤..
١٧ ومنه قول لبيد بن ربيعة.
إن تقوى ربنا خير نفل
أي: خير غنيمة، انظر مجاز القرآن ١/٢٤٠، وجامع البيان ١٣/٣٦٦. وتفسير القرطبي ٧/٢٣٠، والمصباح/نفل..

١٨ قال في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٢٩٦، وذلك أنهم سألوا لمن هي؟".
١٩ قال في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٢٩٦: وقيل ﴿الانفال﴾: أنفال السرايا"..
٢٠ جامع البيان ١٣/٣٦٢، وزاد المسير ٣/٣١٨، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٣، وفيه: ".... ومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش". وهو قول الحسن أيضا في تفسيره ١/٣٩٩، بلفظ: "﴿الانفال﴾: هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش". وعلي بن صالح هو: علي بن صالح بن حيِّ الهمداني، أبو محمد الكوفي، ثقة، توفي سنة ١٥١هـ. انظر: تهذيب التهذيب ٣/١٦٨، وتقريب التهذيب ٣٤١..
٢١ قال في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٢٩٦: "وعن مجاهد...﴿الانفال﴾: الخمس".
وأثر مجاهد أخرجه الطبري في جامع البيان ١٣/٣٦٥، بسنده. وأورده الماوردي في تفسيره ٢/٢٩٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣/٣١٨..

٢٢ في الأصل: إذ قاموا، وهو تحريف محض..
٢٣ انقضى الشيء وتقضى بمعنى، المختار/قضي..
٢٤ جامع البيان ١٣/٣٦٧، بتصرف. وفي الأصل: جابر، بباء موحدة، وهو تحريف..
٢٥ ما بين الهلالين ساقط من "ر"..
٢٦ في الأصل: ذوننا، بالذال المعجمة، وهو تصحيف..
٢٧ جامع البيان ١٣/٣٦٧، بتصرف يسير. وقال الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه"... ، هو خبر صحيح الإسناد... رواه الحاكم في المستدرك ٢/٣٢٦ن وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/٣١٥،....". انظر: أسباب النزول للواحدي ٢٣٥، وزاد المسير ٣/٣١٦، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٤، ولباب النقول في أسباب النزول ١٨٨..
٢٨ في الأصل: قد خص، وهو تحريف محض..
٢٩ انظر: من قال ذلك في جامع البيان ١٣/٣٧١، وما بعدها، وتفسير الماوردي ٢/٢٩٣، وزاد المسير ٣/٣١٧، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٤..
٣٠ زيادة من "ر"..
٣١ جامع البيان ١٣/٢٧٧، باختصار..
٣٢ جامع البيان ١٣/٢٧٧، باختصار..
٣٣ جامع البيان ١٣/٣٧٨. والقراءة مضى تخريجها قريبا ٤٦٧، والمصادر هناك.
وفي المحرر الوجيز ٢/٤٩٦: "وقالت فرقة: إنما سألوه "الأنفال" نفسها أن يعطيهم إياها، واحتجوا في ذلك بقراءة،... ، عبد الله بن مسعود..."..

٣٤ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد المصري، صاحب مالك، ثقة، توفي سنة ١٩٧هـ. انظر: تقريب التهذيب٢٧١..
٣٥ في الأصل: لله..
٣٦ في "ر": من رفع، براء مهملة..
٣٧ الأثر لم أجده منسوبا إلى ابن وهب فيما لدي من مصادر. وهو في أحكام ابن العربي ٢/٨٣٤، بتفصيل، مرويا عن سعيد بن جبير..
٣٨ هو: سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، أبو إسحاق بن أبي وقاص، أحد العشرة، وآخرهم موتا. توفي سنة ٥٦ على المشهور. انظر: الاستيعاب ٢/١٧١، وما بعدها، والإصابة ٣/٦١، وما بعدها، وتقريب التهذيب ١٧٢..
٣٩ في الأصل: فأمروا..
٤٠ انظر: أحكام ابن العربي ٢/٨٣٤..
٤١ هو قول ابن جريج في جامع البيان ١٣/٣٨٣، بتصرف..
٤٢ هو قول مجاهد، وابن عباس، والسدي كما في جامع البيان ١٣/٢٨٤، باختصار..
٤٣ في "ر": لببن، وهو تحريف..
٤٤ معاني القرآن للزجاج ٢/٢٠٠، وتمام نصه: "قال تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ [الأنعام: ٩٥]، أي: وصلكم". انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠٠، والبحر المحيط ٤/٤٥٣.
وقرئ: ﴿بينكم﴾ بالنصب والرفع، فاستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا. انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٤٠، ومفردات الراغب ١٥٦..

٤٥ في الأصل: مجتمع، وهو تحريف..
٤٦ انظر: جامع البيان ١٣/٣٨٤..
٤٧ هو: إسماعيل بن مسلم العبدي، أبو محمد البصري القاضي، ثقة. انظر تقريب التهذيب ٤٩.
وينظر: تهذيب التهذيب ١/١٦٧..

٤٨ الأثر لم أجده منسوبا إلى إسماعيل القاضي فيما لدي من مصادر. وهو مروي عن عبادة بن الصامت، بألفاظ فيها زيادة، في أسباب النزول للواحدي ٢٣٥، ٢٣٦، وتفسير القرطبي ٧/٢٢٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى