التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
تفسير سورة الأنفال
١ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت الآية حين اختلف أهل بدر في الغنائم، وكان الشبان في ذلك اليوم قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع رسول الله - ﷺ - في المصاف، فقال الشبان: لنا الغنائم؛ لأنا أبلينا، وقال الأشياخ: كنا ردءًا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم (١) إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا (٢).
وقال عبادة بن الصامت (٣): فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا؛ فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى
(١) في (ح): (للجوتم)، ومعناهما متقارب.
(٢) هذا معنى أثر عن ابن عباس رواه بلفظ مقارب أبو داود (٢٧٣٧)، كتاب الجهاد، باب في النفل، وسنده صحيح. ورواه أيضًا النسائي في "تفسيره" ١/ ٥١٥ (٢١٧)، والطبري في "تفسيره" ٩/ ١٧٢، والحاكم في "مستدركه" ٢/ ١٣٢، وصححه ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقال: على شرط البخاري، وانظر الأثر أيضاً في: "تفسير الثعلبي" ٦/ ٣٧ ب، وهو مخطوط في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة وله سورة في مكتبة جامعة الإِمام بالرياض (٣٣٢ - ٣٤٠)، و"تفسير البغوي" ٣/ ٣٢٣، و"أسباب النزول" للمؤلف ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري من سادات الأنصار، وكان أحد النقباء في بيعة العقبة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، توفي عام ٣٤ هـ وقيل غير ذلك.
انظر: "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٥، و"الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٢٧.
رسول الله - ﷺ - فقسمه بيننا على السواء (١).
والنفل: الغنيمة (٢) وجمعه الأنفال، ونفلت فلانا نفلاً: أعطيته، والإمام ينفل الجند: إذا جعل لهم ما غنموا، قال الأزهري: وجُماع معنى النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل، وسميت الغنائم أنفالًا لأن
(١) رواه الإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ٣٢٢، وفيه: فقسمه رسول الله فينا عن براء. يقول: على السواء.
وروى نحوه مطولًا الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، سورة الأنفال ٢/ ٣٢٦. ورواه أيضًا بلفظ مقارب ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) هذا باعتبار اللغة؛ قال عنترة كما في "ديوانه" ص ١٩٣:
إنا إذا حمس الوغى نروي القناونعف عند مقاسم الأنفال
وقال أوس بن حجر كما في "ديوانه" ص ١٢٤:
نكصتم على أعقابكم يوم جئتموتزجون أنفال الخميس العرمرم
وروى البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنفال ٨/ ٣٠٦ عن ابن عباس قال: الأنفال: الغنائم اهـ.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن للشارع استعمالا آخر للنفل وهو ما يعطاه المقاتل من الغنيمة زيادة على قسطه منها لنكايته في العدو، أو شجاعته أو اشتراكه في سرية، ونحو ذلك، وقد جاء هذا في أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلًا كثيراً فكانت سهامهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا. رواه البخاري في "صحيحه" (٣١٣٤) كتاب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، وعن معن بن يزيد أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا نفل إلا بعد الخمس". رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٤٧٠ وسنده صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" ٢/ ١٢٥٤ (٧٥٥٢).
وهذا هو اصطلاح الفقهاء في النفل، انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد ١/ ٣٩٥، و"المغني" لابن قدامة ١٣/ ٥٣، كما رجّح عدد من المفسرين أن هذا المعنى هو المراد في الآية، وسيأتي بيان ذلك عند الرد على من قال إن الآية منسوخة.
المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، وصلاة (١) التطوع نافلة؛ لأنها زيادة أجر للمؤمن (٢) على ما كتب له من ثواب ما فرض عليه (٣).
ونذكر استقصاء النافلة عند قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] إن شاء الله (٤).
وأما معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ إخبار عمن لم يسبق ذكره إيجازًا واختصارًا؛ لأن حالة النزول كانت تدل على من سأل وتنبيء عنه، ومثله في القرآن كثير.
وأكثر أهل العلم قالوا: معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ أي: عن حكمها وعلمها سؤال استفتاء (٥) (٦).
(١) في "تهذيب اللغة" وسميت صلاة التطوع... إلخ.
(٢) في "تهذيب اللغة" لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب من ثواب ما فرض عليهم.
(٣) "تهذيب اللغة" للأزهري (نفل) ٤/ ٣٦٣٦.
(٤) قال في هذا الموضع: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة، قال مجاهد: النافلة للنبي - ﷺ - خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم.. وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه، ثم نسخت عنه فصارت نافلة، أي: تطوعًا وزيادة على الفرائض..
(٥) في (ح): (استقصاء)، وهو خطأ.
(٦) ذكر هذا القول وجهًا في تفسير الآية أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" ٣/ ٣٢٥، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٦/ ٣٧ ب؛ واختاره السمين الحلبي كما في "الفتوحات الإلهية" ٢/ ٢٢٥، ولم أجد من ذكره عن مفسري الصحابة والتابعين، =
قال الزجاج: وإنما سألوا عنها لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم (١).
وقيل: (عن) معناه (من) أي: يسألونك من الأنفال أن تعطيهم، فهذا سؤال استعطاء، يدل على هذا المعنى ما روي عن الخليل أنه كان يقول: (عن) هاهنا زيادة صلة، معناه: (يسألونك الأنفال) (٢)، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود، وهو قول الضحاك وعكرمة (٣).
= وهو قول فيه نظر من عدة أوجه:
أولاً: أن الجواب يحدد السؤال، فقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دليل على أنهم سألوا لمن الأنفال؟، ومن المستحق لها؟ أو أنهم سألوا أن يعطوا منها.
ثانيًا: أن أسباب النزول تعين على فهم المراد، وما ورد في أسباب النزول الآية يدور حول ثلاثة أمور:
أ- أن بعض الصحابة سألوا شيئًا من الغنيمة، وهذا ما رجحه ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٦٨.
ب- أن بعض الصحابة أراد أن يستأثر بما حازه من غنيمة فنزلت الآية تأنيبًا لهم، وهذا معنى سبب النزول الذي ذكره المؤلف في مطلع السورة، وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ٢٩١ - ٢٩٥.
ثالثًا: أن رسول الله - ﷺ - وعد قومًا شيئاً من الغنيمة فاختلف أصحابه -رضي الله عنهم- في ذلك بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية لنزع الغنيمة من أيديهم وتسليمها لرسول الله - ﷺ - يصنع فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله - ﷺ - بينهم بالعدل.
انظر: "تفسير ابن جرير" ٩/ ١٧١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٩ - ١٦٥٣.
وبهذا يتبين أن ما ورد من أسباب نزول للآية لا يدل على أن السائل سأل عن حكم الأنفال -كما يقول المؤلف- وإنما سأل عن الأنفال، أو سأل أن يعطى منها.
(١) "معاني القرآن وإعرابه" لأبي إسحاق الزجاج ٢/ ٣٩٩.
(٢) انظر: "البحر المحيط" ٥/ ٢٦٩، و"الدر المصون" ٥/ ٥٥٥، دون تعيين القائل.
(٣) رواه عنهما ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٧٥.
وقال صاحب النظم (١): قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ليس في هذا بيان أنهم [عن أَيشِ (٢)] (٣) سألوا من حكم الأنفال، فلما قال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دل ذلك على أن السؤال وقع عن الأنفال لمن هي (٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: أنها لله لا شك في ذلك، وللرسول يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها، ولا مشاجرة فيما يراه منها (٥)، قال سعد بن أبي وقاص: لما كان يوم بدر جئت بسيف (٦)، قلت: يا رسول الله، هب هذا لي، فقال: "هذا ليس لي ولا لك لكن اذهب فاطرحه
(١) هو: أبو علي الجرجاني، وقد سبق التعريف به وبكتابه.
(٢) بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الشين المعجمة، ومعناها: أي شيء، قال الفيومي في "المصباح المنير" ١/ ٣١١: وقالوا: أي شيء، ثم خففت الياء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وجعلا كلمة واحدة فقيل: أيش، قاله الفارابي اهـ. وفي "المعجم الوسيط" ١/ ٣٤: أيش: منحوت من (أي شيء) بمعناه، وقد تكلمت به العرب اهـ. وقال العلامة السهانفوري في "بذل المجهود" ١/ ٣٢٤: أيش هذا: مخفف أي شيء، قال في "مرقاة الصعود": حكى أبو علي الفارسي في تذكرته: حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون: أيش لك، والقول فيه عندنا إنه أي شيء لك؟ حذف همزهُ فألقى حركته على الياء فتحرك بالكسر فكره به فسكن فلحقه تنوين فحذف لالتقاء الساكنين، قال: فإن قلت: بقي الاسم على حرف واحد، قيل: حسنه الإضافة اللازمة، فصار لزوم الإضافة مشبهًا له بما في نفس الكلمة، حتى حذف منها كما قيل: فيم، وبم، كذلك أيش اهـ. وقال محمود خطاب في "المنهل المورود" ١/ ٦٥: أيش هذا: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، وكسر الشين المعجمة، أصلها: أي شيء هذا، فخففت الياء وحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال وجعلا كلمة واحدة، وهو استفهام إنكاري.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٤) سبق التنبيه إلى أن كتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود.
(٥) هكذا في جميع النسخ.
(٦) ساقط من (م).
في القبض" (١)، فلما نزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: "يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإن قد صار لي فاذهب فخذه" (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال المفسرون (٣): أمروا بالطاعة والجماعة وترك المفارقة والمخالفة، ومعنى (ذات بينكم). قال أحمد بن يحيى (٤): أي: الحالة التي بينكم (٥)؛ فالتأنيث عنده للحالة، وهو قول الكوفيين (٦).
وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل (٧)، فذات عنده بمعنى النفس كما يقال: ذات الشيء ونفسه،
(١) القبض بفتح الباء بمعنى: المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. انظر: "النهاية في غريب الحديث" ٤/ ٦.
(٢) روى الحديث بألفاظ مقاربة الإمام أحمد في "مسنده" ١/ ١٧٨، وأبو داود (٢٧٤٠) كتاب الجهاد، باب: في النفل، والترمذي (٣٢٧٤) أبواب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك" كتاب قسم الفيء ٢/ ١٣٢، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه عليه الذهبي.
وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (١٧٤٨) كتاب "فضائل الصحابة" باب: في فضل سعد بن أبي وقاص.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٤٠٠، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤، والبغوي ٣/ ٣٢٦.
(٤) هو: أحمد بن يحيى الشيباني، أبو العباس، الملقب بـ (ثعلب).
(٥) انظر: كلام أبي العباس ثعلب في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢٩٩ (ذات)، وفي "لسان العرب" ٣/ ١٤٧٦ (ذات).
(٦) ذهب الكوفيون إلى أن الاسم في (ذا) الذال وحدها وما عداها تكثير لها، وذهب البصريون إلى أن الذال ليست هي الاسم فيها بل هي بكمالها الاسم.
انظر "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص ٥٣٥، و"تفسير ابن جرير" ٩/ ١٧٧.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه"، له ٢/ ٤٠٠.
وذكرنا معنى (ذات) مستقصى عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٩ - ١٢٠].
وقال صاحب النظم: (ذات) كناية عن الخصومة والمنازعة هاهنا، وهي الواقعة بينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن زيد: أسلموا لله ولرسوله [في الأنفال (١)] فإنهما يحكمان فيها ما أرادا ويضعانها حيث أرادا (٢).
وقال أبو إسحاق (٣): أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها (٤).
هذا الذي ذكرنا معنى الآية وتفسيرها، فأما حكمها فقال مجاهد وعكرمة والسدي (٥): هي منسوخة (٦)، نسخها قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فكانت الغنائم يومئذ للنبي - ﷺ - خاصة، فنسخها الله بالخمس، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي عنه.
(١) ساقط من (م).
(٢) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٧٨ باختلاف يسير.
(٣) إذا أطلق المؤلف هذه الكنية فمراده الزجاج.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٤٠٠.
(٥) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير الكوفي المفسر، اختلف علماء "الجرح والعديل" في توثيقه، فقال ابن أبي حاتم: لا يحتج به، وقال الذهبي: حسن الحديث، وقال ابن حجر: صدوق يهم، وقد أخرج له الجماعة إلا البخاري، توفي سنة ١٢٧ هـ.
انظر. "الكاشف" أ ١/ ٧٥، و"تقريب التهذيب" ص ٥٢٠ (٦٤٨١)، و"طقبات المفسرين" للداودي ١/ ١١٠.
(٦) أخرج آثارهم ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٧٥.
وقال ابن زيد: الآية ليست بمنسوخة؛ لأن الأنفال لله -لا شك مع الدنيا بما فيها والآخرة-، وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله عز وجل بوضعها فيها (١). والقول هو الأول؛ لأن قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ تمليك له إياها وذلك التمليك نسخ بالخمس (٢)، وابن زيد ذهب إلى أن معنى قوله لله والرسول أن الحكم فيها له، وهذا لم ينسخ.
(١) رواه ابن جرير في "تفسيره" ٩/ ١٧٦.
(٢) هذا القول فيه نظر، والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، وبيان ذلك من وجوه: أولاً: لا يصح القول بنسخ الآية اعتمادًا على قول السلف بأن هذه الآية منسوخة حتى نتحقق من وجود التعارض، وعدم إمكانية الجمع، ومعرفة التاريخ؛ لأن عادة السلف التوسع في إطلاق لفظ النسخ، فيطلقونه على بيان المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، ونحو ذلك، كما يطلقونه على المعنى المعروف عند الأصوليين وهو رفع الحكم الكلي للآية.
انظر: "الموافقات في أصول الأحكام" للشاطبي ٣/ ٧٣.
ثانيًا: أن الراجح من أقوال المفسرين أن المراد بالأنفال في الآية: ما يعطى المقاتل زيادة على نصيبه من الغنيمة لسبب من الأسباب، وقد رجح ذلك ابن جرير ٩/ ١٧٥ - ١٧٦، وابن كثير ٢/ ٣١٣ - ٣١٦، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" ٣/ ١٤٩.
ويشهد لهذا الترجيح "أسباب النزول" فهي وإن كانت متعددة لكنها تعود في الجملة إلى قضية واحدة وهي تنفيل بعض المقاتلين شيئًا من الغنيمة، ومن أصرح ذلك ما رواه أبو أمامة عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: سألته عن الأنفال، قال: فينا يوم بدر نزلت، كان الناس على ثلاث منازل: ثلث يقاتل العدو، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأسارى، وثلث عند الخيمة يحرس رسول الله - ﷺ -، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه، فقال الذين جمعوه وأخذوه قد نفل رسول الله - ﷺ - كل امرئ ما أصاب فهو لنا دونكم. الحديث رواه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال ٢/ ٣٢٦، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: "من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا" قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله =
........................
= عليهم قال المشيخة: كنا ردءًا لكم، لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله - ﷺ - لنا فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ الحديث. رواه أبو داود في "سننه" كتاب الجهاد، باب: النفل ٣/ ٧٧، وسنده صحيح، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب قسم الفيء ٢/ ١٣١، وصححه ووافقه عليه الذهبي وقال: هو على شرط البخاري.
وقد ثبت في "صحيح البخاري" ٦/ ٢٤٦ كتاب الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه أن النبي - ﷺ - نفل -يوم بدر- القاتل سلب قتيله. فإن قيل: قد ثبت عن ابن عباس أنه فسر الأنفال بالغنائم، كما في "صحيح البخاري" ٨/ ٣٠٦ كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.
فالجواب: أن تفسيره هذا معارض بما ثبت عنه أيضًا أنه فسرها بالتنفيل فقد روى الإمام مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال: فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، قال: ثم عاد الرجل لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً.
انظر: "الموطأ" كتاب الجهاد، ما جاء في السلب في النفل ص ٣٠١.
وقد روى الأثر نفسه الإِمام عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" ١/ ٢/٢٤٩ عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد، ورجال سنده كلهم أئمة.
وبما سبق يتبين لنا القول الراجح في المراد بالأنفال، وأنها الزيادة فيما يعطى المقاتل على نصيبه من الغنيمة، وعلى ضوء ذلك تكون الآيتان المدعى فيهما ناسخ ومنسوخ تبينان موضوعين مختلفين فكيف يكون بينهما تعارض؟
ثالثا: القول بأن غنيمة بدر كانت خالصة لرسول الله، وقد قسمها بين المسلمين ولم يخمسها؛ لأن آية الخمس متأخرة في النزول عن آية الأنفال.
انظر: "كتاب الأموال" لأبي عبيد ص ٤٢٦، قول فيه نظر من وجهين:
أ- أن تخميس غيمة بدر ثابت في حديث علي - رضي الله عنه - حيث قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي - ﷺ - أعطاني شارفًا من الخمس. رواه البخاري (٣٠٩١) كتاب الخمس، باب فرض الخمس ٤/ ١٧٦. والشارف: المسنة من النوق.
وروى الدارقطني في "سننه" كتاب السير ٤/ ١١٠ (٢٦) عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - =

تفسير هذه الآية من كتب أخرى