اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا﴾.
النَّاصب ل " إذْ " يجوزُ أن يكون مضمراً، أي : اذكُرْ، ويجوزُ أن يكون " عليم "، وفيه بعدٌ من حيث تقييدُ هذه الصفةِ بهذا الوقتِ، ويجوزُ أن تكون " إذْ " هذه بدلاً من " إذْ " قبلها، والإراءة هنا حُلُمية.
واختلف فيها النُّحاةُ : هل تتعدَّى في الأصل لواحدٍ كالبصريَّةِ، أو لاثنين، كالظَّنِّيَة ؟.
فالجمهورْ على الأوَّلِ. فإذا دخلت همزةُ النَّقْلِ أكسبتْهَا ثانياً، أو ثالثاً على حسب القولين فعلى الأوَّلِ تكون الكافُ مفعولاً أول، و " هُمْ " مفعولٌ ثان، و " قَلِيلاً " حال، وعلى الثَّاني يكون " قَلِيلاً " نصباً على المفعول الثالث، وهذا يَبْطُلُ بجواز حذف الثالث في هذا الباب اقتصاراً، أي : من غير دليل تقول : أراني الله زيداً في مَنَامِي، ورأيتك في النوم، ولو كانت تتعدَّى لثلاثةٍ، لما حُذفَ اقتصاراً ؛ لأنه خبر في الأصل.

فصل


المعنى : إذْ يريك اللَّهُ يا محمد المشركين في منامك، أي : نَوْمك.
قال مجاهد : أرَى الله النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - كفار قريش في منامه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقالوا : رُؤيَا النَّبي حق، القومُ قليل، فصار ذلك سبباً لقوَّةِ قلوبهم(١).
فإن قيل : رؤية الكثيرة قليلاً غلط، فكيف يجوزُ من اللَّه تعالى أن يفعل ذلك ؟.
فالجوابُ : أنَّ الله تعالى يفعلُ ما يشاءُ، ويحكم ما يريدُ، ولعلَّه تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون.
وقال الحسنُ : هذه الإراءة كانت في اليقظة، قال : والمراد من المنامِ : العين ؛ لأنَّها موضع النَّوْمِ(٢).
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ لجبنتم " ولتنَازَعْتُمْ " اختلفتم " فِي الأمْرِ " أي : في الإحجام والإقدام ﴿ولكن الله سَلَّمَ﴾ أي : سَلَّمكُم من المخالفة والفشل.
وقيل : سلَّمهم من الهزيمة يوم بدر.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾.
قال ابنُ عبَّاسٍ : عليم بما في صدوركم من الحُبِّ لِلَّهِ تعالى(٣) وقيل : يعلم ما في صدوركم من الجراءة، والجُبن والصَّبر والجزع.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٥٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٢ ذكره البغوي في "معالم التنزيل" (٢/٢٥٢)..
٣ انظر المصدر السابق وذكره الرازي (١٥/١٣٦)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى