جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد قارون وفرعون وهامان، ولقد جاء جميعهم موسى بالبيّنات، يعني بالواضحات من الآيات، فاستكبروا في الأرض عن التصديق بالبينات من الاَيات، وعن اتباع موسى صلوات الله عليه وما كانوا سابقين : يقول تعالى ذكره : وما كانوا سابقينا بأنفسهم، فيفوتونا، بل كنا مقتدرين عليهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد، قارون وفرعون وهامان، ولقد جاء جميعهم موسى بالبيِّنات، يعني بالواضحات من الآيات، (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ) عن التصديق من الآيات، وعن اتباع موسى صلوات الله عليه (وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) يقول تعالى ذكره: وما كانوا سابقينا بأنفسهم، فيفوتوننا، بل كنا مقتدرين عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾
يقول تعالى ذكره: فأخذنا جميع هذه الأمم التي ذكرناها لك يا محمد بعذابنا
| وَلقدْ عَلِمْتُ إذا العِشارُ تَرَوَّحَتْ | هَدَجَ الرّئالِ يَكُبُّهُنَّ شَمالا |
| تَرْمي العِضَاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْجِها | حتى يَبِيتَ على العِضَاهِ جُفالا (١) |
| مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنا | بحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ (٢) |
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) قوم لوط.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) وهم قوم لوط (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ).
اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بذلك، فقال بعضهم: هم ثمود قوم صالح.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) ثمود.
وقال آخرون: بل هم قوم شعيب.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) قوم شعيب.
(٢) البيت للفرزدق، وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (مصورة الجامعة الورقة رقم ١٨٥) قال: (أرسلنا عليه حاصبًا) : أي ريحا عاصفًا فيها حصى، ويكون في كلام العرب الحاصب من الجليد ونحوه أيضًا. وقال الفرزدق: "مستقبلين شمال الشام... " البيت. اهـ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ) قارون (وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنا) يعني: قوم نوح وفرعون وقومه.
واختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: عُني بذلك: قوم نوح عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: (وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنَا) قوم نُوح.
وقال آخرون: بل هم قوم فرعون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَمِنْهُم مَّنْ أغْرَقْنا) قوم فرعون.
والصواب من القول في ذلك، أن يُقال: عُني به قوم نوح وفرعونُ وقومه؛ لأن الله لم يخصص بذلك إحدى الأمتين دون الأخرى، وقد كان أهلكهما قبل نزول هذا الخبر عنهما، فهما مَعْنيتان به.
وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يقول تعالى ذكره: ولم يكن الله ليهلك هؤلاء الأمم الذين أهلكهم، بذنوب غيرهم، فيظلمَهم بإهلاكه إياهم بغير استحقاق، بل إنما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم،