السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
واختلف في لا في قوله تعالى :﴿لا أقسم﴾ فقال الأخفش : إنها مزيدة، أي : أقسم كما تقدّم في قوله تعالى :﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] وقد أقسم به سبحانه وتعالى. قال الشاعر :
تذكرت ليلى فاعترتني صبابةوكاد صميم القلب لا يتقطع
أي : يتقطع، ودخل حرف لا صلة، وكقوله تعالى :﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] وقد قال تعالى في ص :﴿ما منعك أن تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] وأجاز الأخفش أيضاً أن تكون بمعنى إلا. وقيل : هي نفي صحيح، والمعنى : لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه، حكاه مكي. وأجمعوا على أن المراد بالبلد في قوله تعالى :﴿بهذا البلد﴾، أي : الحرام وهو مكة، وفضلها معروف فإنه تعالى جعلها حرماً آمناً. وقال تعالى :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: ٩٧] وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب. فقال تعالى :﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤] وأمر الناس بحج البيت فقال تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال تعالى :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً﴾ [البقرة: ١٢٥] وقال تعالى :﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ [الحج: ٢٦] وقال تعالى :﴿وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧] وشرف مقام إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] وحرم صيده وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل وأكثر منها إنما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى