اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" بِئْس " فعل ماض غير متصرِّف، معناه الذَّمُّ، فلا يعمل إلاَّ في معرَّف ب " أل " أو فيما أضيف إلى ما هُمَا فيه، أو في مضمر مفسَّر بنكرة، أو في " مَا " على قول سيبويه.
وفيه لغات : بَئِسَ بكسر العين وتخفيف هذا الأصل، وبِئِسَ بكسر الفاء إتباعاً للعين، وتخفيف هذا الإتباع، وهو أشهر الاستعمالات ومثلها " نِعْمَ " في جميع ما تقدم من الأحكام واللغات.
قال ابن الخطيب : ما كان ثانيه حرفَ حَلْق وهو مكسورٌ يجوز فيه أربع لغات :
الأول : على الأصل أعني : بفتح الأول وكسر الثاني.
والثاني : إتباع الأول للثاني، وهو أن يكون بكسر النون والعين، كما يقال :" فِخِذٌ " بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرُّون من الجمع بين الكَسْرتين إلاَّ أنهم جَوّزوه ها هنا ؛ لكون الحرف الحَلْقيِّ مستتبعاً لما يجاوره.
الثالث : إسكان الحرف الحَلْقيِّ المكسور، وترك ما قبله ما كان، فيقال : نَعْمَ وَبَأْسَ بفتح الأول وإسكان الثاني ؛ كما يقال :" فَخْذٌ ".
الرابع : أن يسكن الحرف الحَلْقيُّ، وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال :" نِعْم " بكسر النون وإسكان العين ؛ كما يقال :" فِخْذٌ " بكسر الفاء وإسكان الخاء.
واعلم أن هذا التغيير الأخير، وإن كان في حّدِّ الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين، إلاّ أنهم جعلوه لازماً لهما ؛ لخروجهما عمَّا وضعت له الأفعالُ الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان والماضي، وصيرورتهما كلمتي مَدْحِ وذَمٍّ، ويراد بهما المُبَالغة في المدح والذم ؛ ليدلّ هذا التَّغيير اللازم في اللَّفظ على التغيير عن الأصل، وفي المعنى ؛ فيقولون :" نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ " ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشِّعْر ؛ كما أنشد المبرِّد :[ الرمل ]
وهما فعلان من نَعِمَ يَنْعَمُ وَبئِسَ يَبْأَسُ.
والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال : نعمتْ وبئستْ.
وزعم الكوفيون أنهما اسمان ؛ مستدلين بدخول حرف الجر عليهما في قول حسان :[ الطويل ]
وبما روي أن أعرابيًّا بشر بمولودة فقيل له : نعم المولودة مولودتك ! فقال :" والله ما هي بنعم المولودة : نُصْرتها بكاء، وبرّها سرقة " و " نِعْمَ السَّيْر على بِئْسَ العِيرِ ". وقوله :[ الرجز ]
وخرجه البصريون على حذف موصوف، قامت صفته مقامه، تقديره : والله ما هي بمولودة مَقُول فيها : نعم المولودة.
اعلم أنَّ " نعم وبئس " أصلان للصّلاح والرَّدَاءة، ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، فالمظهر على وجهين :
الأول : كقولك :" نعم الرجل زيد " لا تريد رجلاً دون رجل، وإنما تقصد الرَّجل على الإطلاق.
والثاني : نحو قولك :" نعم غلام الرَّجل زيد ".
وأما قوله :[ البسيط ]
فنادر.
وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله :" وَصَاحِبُ الرَّكْبِ " قد دل على المقصود ؛ إذ المراد واحد، فإذا أتى بالمركّب بالألف واللام، فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك :" نعم رجلاً زيد " الأصل : نعم الرجل رَجُلاً زيد الأصل ثم ترك ذكر الأول ؛ لأن النكرة المنصوبة تدل عليه.
ف " رجلاً " نصب على التمييز، مثله في قولك : عشرون رَجُلاً والمميّز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول :" عشرون الدّرهم " ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا :" نعم الرجلُ " بالنصب لكان نقضاً لِلْغَرَضِ، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا، وقالوا :" نعم الرجلُ " وكَفَوْا أنفسهم مؤنة الإضمار، وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان " نعم رجلاً " يدل على الجنس الذي فضل عليه.
إذا قلت :" نعم الرجل زيد " فهو على [ وجهين ](٥) :
أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخراً، كأنه قيل :" زيد نعم الرجل " أخرت " زيداً " والنية به التقديم كما تقول : مررت به المسكين تريد : المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ، فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظر فيه الجِنْس كان " زيد " داخلاً تحته، فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه.
والوجه الآخر : أن يكون " زيد " في قولك :" نعم الرجل زيد " خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل : نعم الرجل قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد، أي : هو زيد.
ولا بد بعد هذين الفعلين من مخصوصين من المَدْح أو الذم، وقد يحذف لقرينة وأما " ما " الواقعة بعد " بئس " كهذه الآية، فاختلف فيها النحاة، هل لها محلّ من الإعراب أم لا ؟
فذهب الفراء(٦) : إلى أنها مع " بئس " شيء واحد ركّب تركيب " حَبَّذا "، نقله ابن عطية عنه ونقل عنه المَهْدوي أنه يجوز أن تكون " ما " مع " بئس " بمنزلة " كلما "، فظاهر هذين النقلين أنها لا محل لها.
وذهب الجمهور أن لها محلاًّ، ثم اختلفوا في محلّها هل هو رفع أو نصب ؟.
فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل نصب صفة لها، وفاعل " بئس " مضمر تفسره " ما "، والمخصوص بالذم هو قوله :" أَن يَكْفُرُوا " لأنه في تأويل مصدر، والتقدير : بئس هو شيئاً اشتروا به أنفسهم كُفْرهم، وبه قال الفارسي [ في أحد قوليه ](٧)، واختاره الزَّمخشري، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذَّم محذوفاً و " اشتروا " صفة له في محلّ رفع تقديره : بئس شيئاً شيء أو كفر اشتروا به، كقوله :[ الطويل ]
أي : فَتًى أَضْحَى.
و " أَن يَكْفُرُوا " بدل من ذلك المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، أي : هو أن يكفروا. وذهب الكسائي إلى أن " ما " منصوبة المحلّ أيضاً، [ لكنه ](٩) قدر بعدها " ما " موصولة أخرى بمعنى " الذي "، وجعل الجملة من قوله :" اشْتَرَوا " صلتها، و " ما " هذه الموصولة هي المخصوص بالذم، والتقدير : بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلّ ل " اشتروا " على هذا، أو يكون " أن يكفروا " على هذا القول خبراً لمبتدأ محذوف كما تقدم.
فتلخّص في الجملة الواقعة بعد " ما " على القول بنصبها ثلاثة أقوال :
الأول : أنها صفة لها، فتكون في محلّ نصب، أو صلة ل " ما " المحذوفة، فلا محلّ لها، أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محل رفع.
وذهب سيبويه : إلى أن موضعها رفع على أنها فاعل " بئس "، فقال سيبويه : هي معرفة تامّة، التقدير : بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، أي : شيء اشتروا به أنفسهم وعزي هذا القول أيضاً للكسائي.
وذهب الفراء والكسائي أيضاً إلى أن " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه وهو أحد قولي الفارسي، والتقدير : بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف " أن يكفروا " هو المخصوص بالذم.
قال أبو حَيَّان : وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه ونقل المَهْدوي وابن عطيّة عن الكسائي أيضاً أن " ما " يجوز أن تكون مصدرية(١٠)، والتقدير : بئس اشتراؤهم، فتكون " ما " وما في حيّزها في محل رفع.
قال ابن عطية(١١) : وهذا معترض ؛ لأن " بئس " لا تدخل على اسم معيّن يتعرف بالإضافة إلى الضمير.
قال أبو حَيَّان(١٢) : وهذا لا يلزم، إلاَّ إذا نصّ أنه مرفوع " بئس " ؛ أما إذا جعله المخصوص بالذم، وجعل فاعل " بئس " مضمراً، والتمييز محذوفاً لفهم المعنى، والتقدير : بئس اشتراء اشتراؤهم، فلا يلزم الاعتراض.
قال شهاب الدين(١٣) : وبهذا أعني : بجعل فاعل " بئس " مضمراً فيها جوز أبو البقاء في " ما " أن تكون مصدرية، فإنه قال والرابع : أن تكون مصدرية، أي بئس شراؤهم، وفاعل " بئس " على هذا مضمر ؛ لأن المصدر هنا مخصوص ليس بجنس يعني فلا يكون فاعلاً، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في " به " على " ما " والمصدرية لا يعود عليها ؛ لأنه حذف عند الجمهور.
في الشراء هنا قولان :
أحدهما : أنه بمعنى البيع، بيانه أنه تعالى لما مكن المكلّف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة، والكفر الذي يؤدّي به إلى النَّار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار مالك السِّلعة ثمنها على سلعته، فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونَجَاته قيل : نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال مِلْك بملك صلح أن يوصف كلّ واحد منهما بأنه بائع ومشترٍ لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما.
الوجه الثاني : أن المكلّف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله تعالى يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب، فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب، ويوصّلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم به، فذمّهم الله تعالى وقال :﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قوله :" أن يكفروا " قد تقدم فيه أنه يجوز أن يكون هو المخصوص بالذم، ففيه الأوجه الثلاثة إما مبتدأ أو خبره الجملة قبله، ولا حاجة إلى الرابط ؛ لأن العموم قائم مقامه، إذ الألف واللام في فاعل " نعم وبئس " للجنس، أو لأن الجملة نفس المبتدأ، وإما خبر لمبتدأ محذوف وإما مبتدأ أو خبره محذوف، وتقدم أنه يجوز أن يكون بدلاً أو خبراً لمبتدأ حسبما تقرّر وتحرر.
وأجاز الفراء أن يكون في محلّ جر بدلاً من الضمير في " به " إذا جعلت " ما " تامة.
قوله :﴿بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ﴾ متعلّق ب " كفروا "، وقد تقدّم أن " كفر " يتعدّى بنفسه تارة، ويحرف الجر أخرى، و " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والعائد محذوف تقديره : أنزله، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، وكذلك جعلها مصدريّة، والمصدر قائم مقام المفعول، أي : بإنزاله يعني : بالمنزل.
قوله :" بَغْياً " فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه مفعول من أجله وهو مستوفٍ لشروط النصب، وفي الناصب له قولان :
أحدهما وهو الظاهر أنه يكفروا، أي علة كفرهم البَغْي، وهذا تنبيه على أن كفرهم [ بَغْي وحَسَد ]، ولولا هذا القول لجوزنا أن يكون كفرهم جهلاً، والمراد بذلك : كفرهم بالقرآن، لأن الخطاب لليهود، وكانوا مؤمنين بغيره فبيّن تعالى غرضهم من هذا البَغْي بقوله :﴿أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] وهذا لا يليق إلا باليهود ؛ لأنهم ظنوا أن ذلك الفضل العظيم بالنبوّة المنتظرة تحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحَسَد والبَغْي.
والقول الثاني : أن الناصب لقوله " بَغْياً " " اشْتَروا "، وإليه ينحو كلام الزمشخري، فإنه قال :" وهو علّة " اشتروا.
الوجه الثاني : أنه منصوب على المصدر بفعل مَحْذوف يدل عليه ما تقدم، أي : ب
وفيه لغات : بَئِسَ بكسر العين وتخفيف هذا الأصل، وبِئِسَ بكسر الفاء إتباعاً للعين، وتخفيف هذا الإتباع، وهو أشهر الاستعمالات ومثلها " نِعْمَ " في جميع ما تقدم من الأحكام واللغات.
قال ابن الخطيب : ما كان ثانيه حرفَ حَلْق وهو مكسورٌ يجوز فيه أربع لغات :
الأول : على الأصل أعني : بفتح الأول وكسر الثاني.
والثاني : إتباع الأول للثاني، وهو أن يكون بكسر النون والعين، كما يقال :" فِخِذٌ " بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرُّون من الجمع بين الكَسْرتين إلاَّ أنهم جَوّزوه ها هنا ؛ لكون الحرف الحَلْقيِّ مستتبعاً لما يجاوره.
الثالث : إسكان الحرف الحَلْقيِّ المكسور، وترك ما قبله ما كان، فيقال : نَعْمَ وَبَأْسَ بفتح الأول وإسكان الثاني ؛ كما يقال :" فَخْذٌ ".
الرابع : أن يسكن الحرف الحَلْقيُّ، وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال :" نِعْم " بكسر النون وإسكان العين ؛ كما يقال :" فِخْذٌ " بكسر الفاء وإسكان الخاء.
واعلم أن هذا التغيير الأخير، وإن كان في حّدِّ الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين، إلاّ أنهم جعلوه لازماً لهما ؛ لخروجهما عمَّا وضعت له الأفعالُ الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان والماضي، وصيرورتهما كلمتي مَدْحِ وذَمٍّ، ويراد بهما المُبَالغة في المدح والذم ؛ ليدلّ هذا التَّغيير اللازم في اللَّفظ على التغيير عن الأصل، وفي المعنى ؛ فيقولون :" نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ " ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشِّعْر ؛ كما أنشد المبرِّد :[ الرمل ]
| ٦٥٥- فَفِدَاءً لِبَنِي قَيْسٍ عَلَى | مَا أَصَابَ النَّاسَ مِنْ شَرٍّ وَضُرْ |
| مَا أَقَلَّتْ قَدَمَايَ إِنَّهُمْ | نَعِمَ السَّاعُونَ في الأَمْرِ المُبِرْ(١) |
والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال : نعمتْ وبئستْ.
وزعم الكوفيون أنهما اسمان ؛ مستدلين بدخول حرف الجر عليهما في قول حسان :[ الطويل ]
| ٦٥٦- أَلَسْتُ بِنِعْمَ الجَارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ | مِنَ النَّاسِ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَمُعْدِمَا(٢) |
| ٦٥٧- صَبَّحَكَ اللهُ بِخَيْرٍ بَاكِرِ | بِنِعْمَ طَيْرٍ وَشَبَابٍ فَاخِرِ(٣) |
فصل في نعم وبئس
اعلم أنَّ " نعم وبئس " أصلان للصّلاح والرَّدَاءة، ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، فالمظهر على وجهين :
الأول : كقولك :" نعم الرجل زيد " لا تريد رجلاً دون رجل، وإنما تقصد الرَّجل على الإطلاق.
والثاني : نحو قولك :" نعم غلام الرَّجل زيد ".
وأما قوله :[ البسيط ]
| ٦٥٨- فَنِعْمَ صَاحِبُ قَوْمٍ لاَ سِلاَحَ لَهُمْ | وَصَاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بْنُ عَفانا(٤) |
وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله :" وَصَاحِبُ الرَّكْبِ " قد دل على المقصود ؛ إذ المراد واحد، فإذا أتى بالمركّب بالألف واللام، فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك :" نعم رجلاً زيد " الأصل : نعم الرجل رَجُلاً زيد الأصل ثم ترك ذكر الأول ؛ لأن النكرة المنصوبة تدل عليه.
ف " رجلاً " نصب على التمييز، مثله في قولك : عشرون رَجُلاً والمميّز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول :" عشرون الدّرهم " ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا :" نعم الرجلُ " بالنصب لكان نقضاً لِلْغَرَضِ، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا، وقالوا :" نعم الرجلُ " وكَفَوْا أنفسهم مؤنة الإضمار، وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان " نعم رجلاً " يدل على الجنس الذي فضل عليه.
فصل في إعراب المخصوص بالمدح في أسلوب " نِعْمَ "
إذا قلت :" نعم الرجل زيد " فهو على [ وجهين ](٥) :
أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخراً، كأنه قيل :" زيد نعم الرجل " أخرت " زيداً " والنية به التقديم كما تقول : مررت به المسكين تريد : المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ، فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظر فيه الجِنْس كان " زيد " داخلاً تحته، فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه.
والوجه الآخر : أن يكون " زيد " في قولك :" نعم الرجل زيد " خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل : نعم الرجل قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد، أي : هو زيد.
فصل في شرط نعم وبئس
ولا بد بعد هذين الفعلين من مخصوصين من المَدْح أو الذم، وقد يحذف لقرينة وأما " ما " الواقعة بعد " بئس " كهذه الآية، فاختلف فيها النحاة، هل لها محلّ من الإعراب أم لا ؟
فذهب الفراء(٦) : إلى أنها مع " بئس " شيء واحد ركّب تركيب " حَبَّذا "، نقله ابن عطية عنه ونقل عنه المَهْدوي أنه يجوز أن تكون " ما " مع " بئس " بمنزلة " كلما "، فظاهر هذين النقلين أنها لا محل لها.
وذهب الجمهور أن لها محلاًّ، ثم اختلفوا في محلّها هل هو رفع أو نصب ؟.
فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل نصب صفة لها، وفاعل " بئس " مضمر تفسره " ما "، والمخصوص بالذم هو قوله :" أَن يَكْفُرُوا " لأنه في تأويل مصدر، والتقدير : بئس هو شيئاً اشتروا به أنفسهم كُفْرهم، وبه قال الفارسي [ في أحد قوليه ](٧)، واختاره الزَّمخشري، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذَّم محذوفاً و " اشتروا " صفة له في محلّ رفع تقديره : بئس شيئاً شيء أو كفر اشتروا به، كقوله :[ الطويل ]
| ٦٥٩- لَنِعْمَ الْفَتَى أَضْحَى بَأَكْنَافِ حَائِلٍ | . . . (٨) |
و " أَن يَكْفُرُوا " بدل من ذلك المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، أي : هو أن يكفروا. وذهب الكسائي إلى أن " ما " منصوبة المحلّ أيضاً، [ لكنه ](٩) قدر بعدها " ما " موصولة أخرى بمعنى " الذي "، وجعل الجملة من قوله :" اشْتَرَوا " صلتها، و " ما " هذه الموصولة هي المخصوص بالذم، والتقدير : بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلّ ل " اشتروا " على هذا، أو يكون " أن يكفروا " على هذا القول خبراً لمبتدأ محذوف كما تقدم.
فتلخّص في الجملة الواقعة بعد " ما " على القول بنصبها ثلاثة أقوال :
الأول : أنها صفة لها، فتكون في محلّ نصب، أو صلة ل " ما " المحذوفة، فلا محلّ لها، أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محل رفع.
وذهب سيبويه : إلى أن موضعها رفع على أنها فاعل " بئس "، فقال سيبويه : هي معرفة تامّة، التقدير : بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، أي : شيء اشتروا به أنفسهم وعزي هذا القول أيضاً للكسائي.
وذهب الفراء والكسائي أيضاً إلى أن " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه وهو أحد قولي الفارسي، والتقدير : بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف " أن يكفروا " هو المخصوص بالذم.
قال أبو حَيَّان : وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه ونقل المَهْدوي وابن عطيّة عن الكسائي أيضاً أن " ما " يجوز أن تكون مصدرية(١٠)، والتقدير : بئس اشتراؤهم، فتكون " ما " وما في حيّزها في محل رفع.
قال ابن عطية(١١) : وهذا معترض ؛ لأن " بئس " لا تدخل على اسم معيّن يتعرف بالإضافة إلى الضمير.
قال أبو حَيَّان(١٢) : وهذا لا يلزم، إلاَّ إذا نصّ أنه مرفوع " بئس " ؛ أما إذا جعله المخصوص بالذم، وجعل فاعل " بئس " مضمراً، والتمييز محذوفاً لفهم المعنى، والتقدير : بئس اشتراء اشتراؤهم، فلا يلزم الاعتراض.
قال شهاب الدين(١٣) : وبهذا أعني : بجعل فاعل " بئس " مضمراً فيها جوز أبو البقاء في " ما " أن تكون مصدرية، فإنه قال والرابع : أن تكون مصدرية، أي بئس شراؤهم، وفاعل " بئس " على هذا مضمر ؛ لأن المصدر هنا مخصوص ليس بجنس يعني فلا يكون فاعلاً، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في " به " على " ما " والمصدرية لا يعود عليها ؛ لأنه حذف عند الجمهور.
فصل في المراد بالشراء في الآية
في الشراء هنا قولان :
أحدهما : أنه بمعنى البيع، بيانه أنه تعالى لما مكن المكلّف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة، والكفر الذي يؤدّي به إلى النَّار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار مالك السِّلعة ثمنها على سلعته، فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونَجَاته قيل : نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال مِلْك بملك صلح أن يوصف كلّ واحد منهما بأنه بائع ومشترٍ لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما.
الوجه الثاني : أن المكلّف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله تعالى يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب، فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب، ويوصّلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم به، فذمّهم الله تعالى وقال :﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قوله :" أن يكفروا " قد تقدم فيه أنه يجوز أن يكون هو المخصوص بالذم، ففيه الأوجه الثلاثة إما مبتدأ أو خبره الجملة قبله، ولا حاجة إلى الرابط ؛ لأن العموم قائم مقامه، إذ الألف واللام في فاعل " نعم وبئس " للجنس، أو لأن الجملة نفس المبتدأ، وإما خبر لمبتدأ محذوف وإما مبتدأ أو خبره محذوف، وتقدم أنه يجوز أن يكون بدلاً أو خبراً لمبتدأ حسبما تقرّر وتحرر.
وأجاز الفراء أن يكون في محلّ جر بدلاً من الضمير في " به " إذا جعلت " ما " تامة.
قوله :﴿بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ﴾ متعلّق ب " كفروا "، وقد تقدّم أن " كفر " يتعدّى بنفسه تارة، ويحرف الجر أخرى، و " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والعائد محذوف تقديره : أنزله، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، وكذلك جعلها مصدريّة، والمصدر قائم مقام المفعول، أي : بإنزاله يعني : بالمنزل.
قوله :" بَغْياً " فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه مفعول من أجله وهو مستوفٍ لشروط النصب، وفي الناصب له قولان :
أحدهما وهو الظاهر أنه يكفروا، أي علة كفرهم البَغْي، وهذا تنبيه على أن كفرهم [ بَغْي وحَسَد ]، ولولا هذا القول لجوزنا أن يكون كفرهم جهلاً، والمراد بذلك : كفرهم بالقرآن، لأن الخطاب لليهود، وكانوا مؤمنين بغيره فبيّن تعالى غرضهم من هذا البَغْي بقوله :﴿أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] وهذا لا يليق إلا باليهود ؛ لأنهم ظنوا أن ذلك الفضل العظيم بالنبوّة المنتظرة تحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحَسَد والبَغْي.
والقول الثاني : أن الناصب لقوله " بَغْياً " " اشْتَروا "، وإليه ينحو كلام الزمشخري، فإنه قال :" وهو علّة " اشتروا.
الوجه الثاني : أنه منصوب على المصدر بفعل مَحْذوف يدل عليه ما تقدم، أي : ب
١ - البيتان لطرفة. ينظر ديوانه: (٥٨)، المقتضب: ٢/١٣٨، الأمالي الشجرية: ٢/٥٥، خزانة الأدب: ٩/٣٧٦، الكتاب: ٤٠/٤٤٠، الإنصاف: ١/١٢٢، شرح الكافية للرضي: ٢/٣٠١، الهمع: ٢/ ٨٤، الدرر: ٢/١٠٨، الفخر: ٣/١٢٨٢، الحجة: ٣٩٨..
٢ - ينظر ديوانه: (٢١٩)، ابن يعيش: (٧/١٢٧)..
٣ - ينظر الهمع: ٢/٨٤، العيني: ٤/٥٢، الأشموني: ٣/٢٧، الدرر: ٢/١٠٨، الدر المصون: ١/٢٩٩..
٤ - البيت لكثير بن عبد الله النهشلي ينظر في الدرر: ٥/٢١٣، وشرح شواهد الإيضاح: ص ١٠٠، والمقاصد النحوية: ٤/١٧، وله أو لأوس بن مغراء أو لحسان بن ثابت في خزانة الأدب: ٩/٤١٥، ٤١٧، وشرح المفصل: ٧/١٣١، وليس في ديوان حسان، وبلا نسبة في شرح الأشموني: ٢/٣٧١، والمقرب: ١/٦٦، وهمع الهوامع: ٢/٨٦..
٥ - في ب: قسمين..
٦ - ينظر معاني القرآن ١/٥٧..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر الإملاء: (١/٥١)، التبيان: ١/٩١، الدر المصون: ١/٢٩٩..
٩ - في ب: لأنه..
١٠ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٧٨..
١١ - ينظر البحر المحيط: (١/٤٧٣)..
١٢ - ينظر الدر المصون: ١/٣٠٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٦٦، الدر المصون: ١/٣٠١..
٢ - ينظر ديوانه: (٢١٩)، ابن يعيش: (٧/١٢٧)..
٣ - ينظر الهمع: ٢/٨٤، العيني: ٤/٥٢، الأشموني: ٣/٢٧، الدرر: ٢/١٠٨، الدر المصون: ١/٢٩٩..
٤ - البيت لكثير بن عبد الله النهشلي ينظر في الدرر: ٥/٢١٣، وشرح شواهد الإيضاح: ص ١٠٠، والمقاصد النحوية: ٤/١٧، وله أو لأوس بن مغراء أو لحسان بن ثابت في خزانة الأدب: ٩/٤١٥، ٤١٧، وشرح المفصل: ٧/١٣١، وليس في ديوان حسان، وبلا نسبة في شرح الأشموني: ٢/٣٧١، والمقرب: ١/٦٦، وهمع الهوامع: ٢/٨٦..
٥ - في ب: قسمين..
٦ - ينظر معاني القرآن ١/٥٧..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر الإملاء: (١/٥١)، التبيان: ١/٩١، الدر المصون: ١/٢٩٩..
٩ - في ب: لأنه..
١٠ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٧٨..
١١ - ينظر البحر المحيط: (١/٤٧٣)..
١٢ - ينظر الدر المصون: ١/٣٠٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٦٦، الدر المصون: ١/٣٠١..