فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
و«ما » في قوله :﴿بِئْسَمَا﴾ موصولة، أو موصوفة، أي : بئس الشيء، أو شيئاً ﴿اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ قاله سيبويه. وقال الأخفش «ما » في موضع نصب على التمييز كقولك : بئس رجلاً زيد. وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد رُكب كحبذا. وقال الكسائي :«ما »، و«اشتروا » بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير : بئس اشتراؤهم أن يكفروا. وقوله :﴿أَن يَكْفُرُوا﴾ في موضع رفع على الابتداء عند سيبويه، وخبره ما قبله. وقال الفراء، والكسائي : إن شئت كان في موضع خفض بدلاً من الهاء في به، أي : اشتروا أنفسهم بأن يكفروا، وقال في الكشاف : إن «ما » نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، بمعنى شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم أن يكفروا، واشتروا بمعنى باعوا. وقوله :﴿بَغِيّاً﴾ أي : حسداً. قال الأصمعي : البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح : إذا فسد، وقيل أصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بغياً. وهو علة لقوله :﴿اشتروا﴾ وقوله :﴿أَن يُنَزِّلَ﴾ علة لقوله :﴿بَغِيّاً﴾ أي : لأن ينزل. والمعنى : أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً، ومنافسة ﴿أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن محيصن :«أن ينزل » بالتخفيف. ﴿فباءوا﴾ أي : رجعوا، وصاروا أحقاء ﴿بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ وقد تقدّم معنى باءوا، ومعنى الغضب. قيل الغضب، الأول : لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد. وقيل : كفرهم بعيسى، ثم كفرهم بمحمد. وقيل كفرهم بمحمد، ثم البغي عليه وقيل غير ذلك. والمهين مأخوذ من الهوان، قيل وهو : ما اقتضى الخلود في النار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب منْ عِندِ الله مُصَدّقٌ لما معهم﴾ قال : هو القرآن ﴿مُصَدّقٌ لمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ؛ قال : حدّثني أشياخ منا قالوا : لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا ؛ لأن معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وَثَن، وكانوا إذا بلغهم منا ما يكرهون قالوا : إن نبياً ليبعث الآن قد أظلّ زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بُعث رسول الله ﷺ اتبعناه، وكفروا به، ففينا والله، وفيهم أنزل الله :﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُوا﴾ وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا : كانت العرب تمرّ باليهود، فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمداً في التوراة، فيسألون الله أن يبعثه نبياً، فيقاتلون معه العرب، فلما جاء محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل. وقد روى نحو هذا، عن ابن عباس من غير وجه بألفاظ مختلفة، ومعانيها متقاربة. وروى عن غيره من السلف نحو ذلك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ قال : هم : اليهود كفروا بما أنزل الله، وبمحمد ﷺ بغياً، وحسداً للعرب ﴿فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ قال : غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإنجيل، وبعيسى، وبكفرهم بالقرآن، وبمحمد.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿بَغْيًا أَن يُنَزّلَ الله﴾ أي : أن الله جعله من غيرهم ﴿فَبَاءو بِغَضَبٍ﴾ بكفرهم بهذا النبي ﴿على غَضَبٍ﴾ كان عليهم بما صنعوه من التوراة. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضاً عن مجاهد معناه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ قال : بما بعده. وأخرج ابن جرير عن السدي قال : بما وراءه : أي القرآن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى