محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣ من سورة الفتح في ٨٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقولانِ من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣ من سورة الفتح

٨٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
تفسير سورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾
يعني بقوله تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) يقول: إنا حكمنا لك يا محمد حكما لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك، وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر، لتشكر ربك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربك، ما تقدّم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخَّر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.
وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله عزّ وجلّ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) على صحته، إذ أمره تعالى ذكره أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنه توّاب على من فعل ذلك، ففي ذلك بيان واضح أن قوله تعالى ذكره (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) إنما هو خبر من الله جلّ ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام عن جزائه له على شكره له، على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.
وبعد ففي صحة الخبر عنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " أنه كان يقوم حتى ترِم قدماه، فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ "، الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول، وأن الله تبارك وتعالى، إنما وعد نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم غفران ذنوبه المتقدمة، فتح ما فتح عليه، وبعده على شكره له، على نعمه التي أنعمها عليه.
وكذلك كان يقول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إنّي لأسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ إلَيْهِ فِي كُلّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرةٍ" ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا، لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ربه جلّ جلاله من ذنوبه بعدها معنى يعقل، إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربه عزّ وجلّ غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى، لأنه من المحال أن يقال: اللهمّ اغفر لي ذنبا لم أعمله.
وقد تأوّل ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر إلى الوقت الذي قال: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ). وأما الفتح الذي وعد الله جلّ ثناؤه نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هذه العدة على شكره إياه عليه، فإنه فيما ذُكر الهدنة التي جرت بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبين مشركي قريش بالحديبية.
وذُكر أن هذه السورة أُنزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منصرفه عن الحديبية بعد الهدنة التي جرَت بينه وبين قومه.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: قضينا لك قضاء مبينا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) والفتح: القضاء.
ذكر الرواية عمن قال: هذه السورة نزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الوقت الذي ذكرت.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: الحديبية.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: نحرُه بالحديبية وحَلْقُه.
حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا أبو بحر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا جامع بن شدّاد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول " لما أقبلنا من الحُديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نائم، قال: فقلنا أيقظوه، فاستيقظ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: افْعَلُوا كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، فكذلك من نام أو نسي قال: وفقدنا ناقة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فوجدناها قد تعلَّق خطامها بشجرة، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه اشتدّ عليه; فلما سري عنه أخبرنا أنه أُنزل عليه (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ".
حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: "لما رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)، أو كما شاء الله، فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَقَدْ أُنزلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إلي مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا".
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، في قوله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: نزلت على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مرجعه من الحديبية، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن، فقال: لَقَدْ أُنزلَتْ عَلي آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا، فَقَرَأَ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)... إلى قوله (عَزِيزًا) فقال أصحابه هنيئا لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله هذه الآية بعدها (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)... إلى قوله (وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أنس، قال: أُنزلت هذه الآية، فذكر نحوه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بنحوه، غير أنه قال في حديثه: " فَقال رجل من القوم: هنيئا لك مريئا يا رسول الله، وقال أيضا: فبين الله ماذا يفعل بنبيه عليه الصلاة والسلام، وماذا يفعل بهم".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: "ونزلت على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) مرجعه من الحديبية، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَقَدْ نزلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِمَّا عَلى الأرْضِ، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا يا نبيّ الله، قد بين الله تعالى ذكره لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ)... إلى قوله (فَوْزًا عَظِيمًا) ".
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، قال: لما نزلت هذه الآية (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) قالوا: هنيئا مريئا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزلت (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ).
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس في هذه الآية (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: الحديبية.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: ما كنا نعدّ فتح مكة إلا يوم الحديبية.
حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: تكلم سهل بن حنيف يوم صفِّين، فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبين المشركين، ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بَلى، قال: ففيم نعطى الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابْنَ الخَطَّابِ، إنّي رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيَّعَنِي أَبَدًا"، قال: فرجع وهو متغيظ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألسنا على حقّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، لَن يضيعه الله أبدأ، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى عمر، فأقرأه إياها، فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: نَعَمْ ".
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه،
عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خمس عشرة مِئة، والحديبية: بئر.
حدثني موسى بن سهل الرملي، ثنا محمد بن عيسى، قال: ثنا مُجَمع بن يعقوب الأنصاري، قال: سمعت أبي يحدّث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمِّع بن جارية الأنصاري، وكان أحد القرّاء الذين قرءوا القرآن، قال: "شهدنا الحديبية مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما انصرفنا عنها، إذا الناس يهزّون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس، قالوا: أوحي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) فقال رجل: أوَفتح هو يا رسول الله؟ قال: نَعَمْ، والَذِّي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ، قال: فَقُسِّمَت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاث مئة فارس، فقسمها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ثمانية عشر سهما، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ، قال: "نزلت (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة، أصاب أن بُويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهَدْيُ مَحِله، وأطعموا نخل خبير، وفرح المؤمنون بتصديق النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وبظهور الروم على فارس".
وقوله تعالى (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) بإظهاره إياك على عدوّك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) يقول: ويرشدك

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
تفسير
سورة الفتح
وهي مدنية قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ «٢» فِيهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْنَا لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ «٣»، أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)
نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، حِينَ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى المسجد الحرام فيقضي عُمْرَتَهُ فِيهِ، وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ثُمَّ مَالُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَالْمُهَادَنَةِ، وَأَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ هَذَا ثُمَّ يَأْتِيَ مِنْ قَابِلٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ عَلَى تَكَرُّهٍ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ تَفْسِيرِ هذه السورة إن شاء الله تعالى، فَلَمَّا نَحَرَ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَرَجَعَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ السُّورَةَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ، وَجَعَلَ ذَلِكَ الصُّلْحَ فَتْحًا بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَمَا آلَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَعُدُّونَ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: مَا كُنَّا نَعُدُّ الْفَتْحَ إِلَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ «٤».
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ «٥» : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتانا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ ماء فتوضأ ثم
(١) المسند ٤/ ٨٥، ٨٦، ٥/ ٢٤. [.....]
(٢) الترجيع: أي ترديد القراءة.
(٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٨، باب ١، ومسلم في المسافرين حديث ٢٣٧.
(٤) تفسير الطبري ١١/ ٣٣٢.
(٥) كتاب المغازي باب ٣٥.
تَمَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرَكَائِبُنَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألححت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثٌ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي فحركت بعيري فَتَقَدَّمْتُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِمُنَادٍ يُنَادِي يَا عُمَرُ، أَيْنَ عُمَرُ قَالَ: فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٍ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نزل علي البارحة سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ المديني هذا إسناد مدني جَيِّدٌ لَمْ نَجِدْهُ إِلَّا عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا معمر عن قَتَادَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أنزلت علي الليلة آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ» ثُمَّ قَرَأَهَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَقَدْ بين الله عز وجل ما يَفْعَلُ بِكَ فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟
فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ ﷺ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ- حتى بلغ- فَوْزاً عَظِيماً أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ «٤» مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ»
: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري رضي الله عنه، وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إِذَا النَّاسُ يُنَفِّرُونَ «٦» الْأَبَاعِرَ فَقَالَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا لِلنَّاسِ؟ قَالُوا: أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْنَا مَعَ النَّاسِ نُوجِفُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ كَرَاعِ الْغَمِيمِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قَالَ: فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ رَسُولَ الله أو فتح هو؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إِي وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ» فَقُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا. وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ منهم ثلاثمائة فارس أعطي الفارس سهمين وأعطي الراجل
(١) المسند ١/ ٣١.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ١٢، والترمذي في تفسير سورة ٤٨ باب ١.
(٣) المسند ٣/ ١٩٧.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٥، ومسلم في الجهاد حديث ٩٧.
(٥) المسند ٣/ ٤٢٠.
(٦) ينفرون: أي يزجرون.
سهما ورواه أَبُو دَاوُدَ «١» فِي الْجِهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَمَّا أَقْبَلْنَا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَعْرَسْنَا فَنِمْنَا فلم نستيقظ إلا والشمس قَدْ طَلَعَتْ، فَاسْتَيْقَظْنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نائم قال: فقلنا أيقظوه فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «افْعَلُوا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ» قَالَ: وَفَقَدْنَا نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَبْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا قَدْ تَعَلَّقَ خِطَامُهَا «٣» بِشَجَرَةٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَرَكِبَهَا فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذْ أَتَاهُ الْوَحْيُ قَالَ: وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الْوَحْيُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «٤» وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٥» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تأخر؟ فقال ﷺ «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» «٦» أَخْرَجَاهُ وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ زِيَادٍ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٧» : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ رَجُلَاهُ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها: يا رسول الله ﷺ أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ «٨» فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْخَرَّازُ وَكَانَ ثِقَةً بِمَكَّةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ- أَوْ قَالَ سَاقَاهُ- فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخر؟ قال: «أفلا أكون
(١) كتاب الجهاد باب ٥٧.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٣٣٢.
(٣) خطام الناقة: زمامها.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٦٤. [.....]
(٥) المسند ٤/ ٢٥٥.
(٦) أخرجه البخاري في التهجد باب ٦، وتفسير سورة ٤٨، باب ٢، ومسلم في المنافقين حديث ٧٩، والترمذي في الصلاة باب ١٨٧، والنسائي في قيام الليل باب ١٧، وابن ماجة في الإقامة باب ٢٠٠
(٧) المسند ٦/ ١١٥.
(٨) كتاب المنافقين حديث ٨٠، ٨١.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي : قويا لا يتضعضع فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع توفر قوى المسلمين ونموهم، ونمو أموالهم.
ثم ذكر آثار هذا الفتح على المؤمنين فقال :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١-٣} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صد المشركون رسول الله ﷺ لما جاء معتمرا في قصة طويلة، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله ﷺ على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله ﷺ وعقده فعل.
وبسبب ذلك لما أمن الناس بعضهم بعضا، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله عز وجل، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار، يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، وهذا حصل بذلك (١) الفتح، ورتب الله على هذا الفتح عدة أمور، فقال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
وذلك -والله أعلم- بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة، والدخول في الدين بكثرة، وبما تحمل ﷺ من تلك الشروط التي لا يصبر عليها إلا أولو العزم من المرسلين، وهذا من أعظم مناقبه وكراماته صلى الله عليه وسلم، أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإعزاز دينك، ونصرك على أعدائك، واتساع كلمتك، ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ تنال به السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي.
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: قويا لا يتضعضع فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع توفر قوى المسلمين ونموهم، ونمو أموالهم.
ثم ذكر آثار هذا الفتح على المؤمنين فقال:
(١) في ب: به.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
عَزِيزًا
قَوِيًّا لَا ضَعْفَ فِيهِ.

إعراب الآية ٣ من سورة الفتح

من كتاب: إعراب القرآن

عطف قيل: يتم نعمته عليه في الدنيا بالنصر وفي الآخرة بالثواب وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً قيل: طريق الجنة. قال محمد بن يزيد: الصراط المنهاج الواضح. قال أبو جعفر: التقدير: إلى صراط ثم حذفت إلى.

[سورة الفتح (٤٨) : آية ٣]

وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ عطف. نَصْراً عَزِيزاً مصدر «عزيزا» من نعته.

[سورة الفتح (٤٨) : آية ٤]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال:
السكينة الرحمة، قال محمد بن يزيد: السكينة فعيلة من السكون، ومن السكينة الحلم والوقار وترك ما لا يعني. وروى مالك بن أنس عن الزهري عن علي بن الحسين وبعضهم يقول عن الحسين رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «١»، ومن الرحمة الحديث أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال له الأقرع بن حابس: إنّ لي لعشرة أولاد ما قبّلت واحدا منهم قطّ فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «من لا يرحم لا يرحم» «٢». وفي بعض الحديث «أرأيت إن كان الله سبحانه قلع الرحمة من قلبك فما ذنبي» «٣». وفي ابن أبي طلحة عن ابن عباس لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ قال: بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشهادة أن لا إله إلا الله ثم زاد الصلاة ثمّ زاد الصيام ثم أكمل لهم دينهم.

[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٥ الى ٦]

لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦)
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مفعولان خالِدِينَ على الحال وَيُكَفِّرَ عطف، كذا وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ نعت.
وقرأ مجاهد وأبو عمرو دائرة السوء «٤» بضم السين، وفتح السين، وإن كانت القراءة به أكثر فإنّ ضمّها فيما زعم الفراء في هذا أكثر. والسّوء اسم الفعل، والسّوء الشيء بعينه.
(١) أخرجه مالك في الموطّأ- الحديث (٣)، والترمذي في سننه- الزهد ٩/ ١٩٦.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٧٠.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٧٠.
(٤) انظر تيسير الداني ١٦٣، ومعاني الفراء ٣/ ٦٥. [.....]
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

قولانِ من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

قولانِ
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ يقول: ولكي ينصرك الله بالإسلام على عدوّك ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ يعني: منيعًا فلا تذلّ، فهذا الذي قضى الله له: المغفرة، والغنيمة، والإسلام، والنصر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٦٦-٦٧.
٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، قال: يريد بذلك: فتْح مكة، وخَيْبَر، والطائف١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
التفسير بالمأثور لسورة الفتح كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣ من سورة الفتح

٣ وقفات في هذه الآية

  • [ وينصرك الله نصرا عزيزا ]لا أعز ولا أروع من نصر الله لك عندما تجد الكل تحاشد ضدك وتآمر فإذا بمقدر الأقدار يقلب الأقدار

    — مها العنزي

  • سلسلة (ختمة تعارف) سورة الفتح آية 3

    — حازم شومان

  • ﴿وينصرك الله نصرًا عزيزا﴾ لا أعز ولا أروع من نصر الله لك عندما تجد الكل تحاشد ضدك، فإذا بمقدر الأقدار يقلبها لصالحك.

    — مجالس التدبر

ترجمات معاني الآية ٣ من سورة الفتح

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(3) And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال