اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :«وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ » في هذه الهاء ثلاثة أوجه :
أحدها : قال الجمهور : إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم :( المعنى صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطشّ، ورذاذ، وغير ذلك(١).
وقال بعضهم )(٢) :«صَرَّفْنَاهُ » أي : أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات(٣) وأنواع المعاش به. وقال آخرون : معناه : أنه تعالى ينزله في مكان ( دون مكان ) (٤) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس : ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم قرأ هذه الآية.
وروى ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال :«ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي ».
الثاني : قال أبو مسلم : الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ذكره الله من الأدلة.
الثالث : أي(٥) هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء(٦) السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع(٧).
وقرأ عكرمة :«صَرَفْنَاهُ » بتخفيف(٨) الراء(٩). وقيل : التصريف راجع إلى الريح.
«ليذكروا » ويتفكروا في قدرة الله تعالى ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا : أُمْطرنا بنوء كذا، روى زيد بن خالد الجهني(١٠) قال :«صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال :«هل تدرون ما قال ربكم » قالوا : الله ورسوله أعلم «قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال : مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال : مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب »(١١).

فصل


قال الجبائي : قوله :«لِيَذَّكَّرُوا » يدل على أنه تعالى يريد من الكل أن يذكروا ويشكروا، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال : إن الله مريد لكفر من يكفر قال : ودلَّ(١٢) قوله :﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ على قدرتهم على فعل هذا التذكر ؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال : أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى(١٣).
وقال الكعبي : قوله :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ ( حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا، لأن قوله :«ليذَّكَّروا »(١٤) عامّ في الكل، وقوله تعالى :﴿أَكْثَرُ الناس﴾ يقتضي أن يكون هذا(١٥) الأكثر داخلاً في ذلك العام، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً. والجواب قد تقدم مراراً(١٦).
١ انظر الكشاف ٣/١٠٠..
٢ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٣ في ب: وبالزراعات وغير ذلك..
٤ دون مكان: سقط من ب..
٥ في ب: أن..
٦ في ب: إفشاء..
٧ قال ابن الخطيب: والوجه الأول أقرب، لأنه أقرب المذكورات إلى الضمير. انظر الفخر الرازي ٢٤/٩٨ – ٩٩..
٨ في ب: بتضعيف. وهو تحريف..
٩ انظر تفسير ابن عطية ١١/٥٠، البحر المحيط ٦/٥٠٦..
١٠ زيد بن خالد الجهني أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة المدني، روى عن النبي ﷺ وعن عثمان، وأبي طلحة، وعائشة، وعنه ابناه خالد وأبو حرب ومولاه أبو عمرة وغيرهم، مات سنة ٧٨ هـ. تهذيب التهذيب ٣/٤١٠ – ٤١١..
١١ أخرجه أبو داود (طب) ٤/٢٢٧ – ٢٢٨، ومالك في الموطأ (استسقاء) ١/١٩٢..
١٢ في ب: ويدل..
١٣ انظر الفخر الرازي ٢٤/٩٩..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ هذا: سقط من ب..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٩٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى