التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - الأسباب التي حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة، والتى من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال - تعالى - :﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾.
والباء في قوله { بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ.
. } للسببية أو للقسم.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : الباء ههنا بمعنى السبب، أى : بسبب كونى غاويا لأزينن لهم كقول القائل : أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة.
أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم. والمعنى أقسم بإغوائك لى لأزينن لهم. ونظيره قوله - تعالى - ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله ﴿أغويتنى﴾ من الإِغواء، وهو خلق الغى في القلوب. وأصل الغى الفساد، ومنه غوى الفصيل - كرضى - إذا بشم من اللبن ففسدت معدته. أو منع من الرضاع فهزل وكاد يهلك، ثم استعمل في الضلال. يقال : غوى فلان يغوى غيا وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم. وأغواه غيره وغواه : أضله.
وقوله ﴿لأزينن لهم﴾ من التزيين بمعنى التحسين والتجميل، وهو تصيير الشى زينًا، أى : حسنًا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه.
والضمير في ﴿لهم﴾ يعود على ذرية آدم، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر، وقد جاء ذلك صريحًا في قوله - تعالى - في آية أخرى :﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وحذف مفعول ﴿لأزينن﴾ لدلالة المقام عليه.
أى : لأزينن لهم المعاصى والسيئات، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم المنكر. وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها، وأبذل نهاية جهدى في صرفهم عن طاعتك... وقال - سبحانه - ﴿فى الأرض﴾ لتحديد مكان إغوائه، إذ هي المكان الذي صار مستقرًا له ولآدم وذريته، كما قال - تعالى - في آية أخرى :﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا﴾ - أى الجنة - فأخرجهما - أى آدم وحواء - مما كانا فيه، ﴿وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ وقوله ﴿ولأغوينهم أجمعين﴾ مؤكدًا لما قبله.
أى : والله لأغوينهم جميعًا مادمت قادرًا على ذلك، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس، كما قال - تعالى - في آية أخرى :﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال القرطبى : وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله ﷺ : " إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم، فقال الرب : وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى