مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
أما قوله :﴿فاصدع بما تؤمر﴾ فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق والفصل، وأنشد ابن السكيت لجرير :
هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم *** بالحق يصدع ما في قوله حيف فقال يصدع يفصل، وتصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قوله تعالى :﴿يومئذ يصدعون﴾ قال الفراء : يتفرقون. والصدع في الزجاجة الإبانة، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمي صداعا لأن قحف الرأس عند ذلك الألم كأنه ينشق. قال الأزهري : وسمي الصبح صديعا كما يسمى فلقا. وقد انصدع وانفلق الفجر وانفطر الصبح.
إذا عرفت هذا فقول :﴿فاصدع بما تؤمر﴾ أي فرق بين الحق والباطل، وقال الزجاج : فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا كقولك صرح بها، وهذا في الحقيقة يرجع أيضا إلى الشق والتفريق، أما قوله :﴿بما تؤمر﴾ ففيه قولان : الأول : أن يكون «ما » بمعنى الذي أي بما تؤمر به من الشرائع، فحذف الجار كقوله :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ***. . .
الثاني : أن تكون «ما » مصدرية أي فاصدع بأمرك وشأنك. قالوا : وما زال النبي ﷺ مستخفيا حتى نزلت هذه الآية.
ثم قال تعالى :﴿وأعرض عن المشركين﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة. قال بعضهم : هذا منسوخ بآية القتال وهو ضعيف، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى