نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما كان المقصود من القرآن دعوة العباد إلى المعبود، وكان المدعو إلى شيء أحوج ما يكون إلى معرفته، وكان التعريف تارة للذات وتارة للصفات وتارة للأفعال، وكانت هذه الأمة أشرف الأمم ؛ لأن نبيها أعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان هي الختام، أشبع الكلام في تعريفه سبحانه في القرآن، وأنهى البيان في ذلك إلى حد لا مزيد عليه، ولم يقاربه في ذلك كتاب من الكتب السالفة، ولكنه لما كان الكبير إذا تناهى كبره عزت معرفة ذاته، وكان الله تعالى هو الأكبر مطلقاً، وكانت معرفة ذاته - كما أشار إليه الغزالي في الجواهر، والفخر الرازي في كتبه - أضيق ما يكون مجالاً، وأعسره مقالاً، وأعصاه على الفكر منالاً، وأبعده عن قبول الذكر استرسالاً ؛ لأن القرآن لا يشتمل من ذلك إلا على تلويحات وإشارات أكثرها رجع إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى :﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾[الشورى: ١١٢]، وإلى التعظيم المطلق كقوله ﴿سبحانه وتعالى عما يصفون﴾، فكان القياس أن يقتصر على ذلك مع التعريف بالصفات والأفعال، لكن لما كانت هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام مع ما نالته من الشرف، حباها سبحانه وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر زيادة عليه، وذلك ببيان أنه ثابت ثباتاً لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون لغيره أصلاً، وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافىء والمثيل، فلا زوجة له ولا ولد، ولا حاجة بوجه إلى أحد، بل له الخلق والأمر، فهو يهلك من أراد ويسعد من شاء، فقال آمراً لنبيه ﷺ ليكون أول كلمة فيها دالة على رسالته رداً على من كذبه في خاصة نفسه، وعلى البراهمة القائلين : إن في العقل غنى عن الرسل. ويكون البيان جارياً على لسانه ﷺ، ليكون إلى فهم الخلق عنه لتلك الصفات العلى أقرب لما لهم به من المجانسة :﴿قل﴾ أي يا أكرم الخلائق ومن لا يفهم عن مرسله حق الفهم سواه، وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له يفهم عموم الرسالة، وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلاً عن ذلك بالفعل أو بالقوة حثاً على استحضار - ما لرب هذا الدين - الذي حاطه هذه الحياطة، ورباه هذه التربية - من العظمة والجلال، والكبرياء والكمال، ففي الإطلاق المشير إلى التعميم رد على من أقر بإرساله ﷺ إلى العرب خاصة، ويدل على أن مقول القول لا ضرر فيه على أحد، فإن ظواهره مفهومة لكل أحد لا فتنة فيها بوجه، وإنما تأتي الفتنة عند تعمق الضال إلى ما لا يحتمله عقله.
ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول :﴿نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾[الجاثية: ٢٤]، أثبت وجوده سبحانه على أتم الوجوه وأعلاها وأوفاها وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتاً لا يتوجه نحوه شك بوجه من الوجوه، فقال مكاشفاً للأسرار - فإنه لا يمكن غيبته عنها أصلاً - وللوالهين :﴿هو﴾ فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء إشارة إلى أنه غيب الغيب بالنظر إلى ذاته كالألف، وإلى أنه واجب الوجود لذاته، وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها، ولا موقوفة على شيء سواها، فإن كل ما كانت هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه، فمتى لم يعتبر غيره فلم يكن هو هو، وما كانت هويته لذاته فهو هو، سواء اعتبر غيره أو لم يعتبر، فإذاً لا يستحق هذا الاسم غيره أصلاً، على أن الهاء بمفردها مشيرة -بكونها من أبطن الحلق -إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه، والواو - بكونها من أظهر حروف الشفة - إلى أنه الآخر والظاهر، وأن إليه المنتهى، وليس وراءه مرمى، وأنه المبدىء المعيد، كما يشير إلى ذلك تكرير الواو في اسمها، وإلى أنه محيط بكل شيء لما فيها من الإحاطة.
ولما كان وجوده سبحانه لذاته، ولم يكن مستفاداً من غيره، فإن ما استفيد وجوده من غيره كان ممكناً، كان لا يمكن شرح اسمه الذي هو هو، لا اسم لحقيقة غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل ؛ لأنه لا جنس له، ولا نوع له، ولا سبب يعرف به، والذي لا سبب له لا يمكن معرفته إلا بلوازمه، واللوازم منها سلبية، ومنها إضافية، ومنها قريبة، ومنها بعيدة، والتعريف بالإضافية وبالقريبة أتم من التعريف بالسلبية وبالبعيدة ؛ لأن البعيد كالضاحك الذي هو بعد المتعجب بالنسبة إلى الإنسان لا يكون معلولاً لشيء ؛ بل معلولاً لمعلوله، وبالجمع بين السلبية والإضافية أتم من الاقتصار على أحدهما، فلذلك اختير اسم جامع للنوعين ليكون التعريف أتم، وذلك هو كون تلك الهوية إلهاً، فاختير لذلك اسم دال عليها وهو مختص غير مشترك، وهو أول مظاهر الضمير، كما أن الهمزة أول مظاهر الألف، ولهذا قال بعضهم : الاسم الأعظم آخر الظواهر من الأسماء، ولهذا كانت كلها صفات له، وهو أول البواطن، فقال مكاشفاً للأرواح وللموحدين :﴿الله﴾ أي الموجود الذي لا موجود في الحقيقة سواه ! هو المسمى بهذا الاسم، واختير هذا الاسم للإخبار عنه لدلالته على جميع صفات الكمال : الجلال والجمال، ولأنه اسم جامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وهو أقرب اللوازم إلى الهوية ؛ لأنه لا لازم لها أقرب من وجوب الوجود الذي هو مقتضى الذات على ما هي عليه من الصفات، لا بواسطة شيء آخر، وبواسطة وجوب وجوده كان مفيضاً باختياره الإيجاد على كل شيء أراده، ومجموع الوجوب الذي هو سلب وحدة الإيجاد الذي هو اختيار للجود بإضافة الوجود، وإضافة للإلهية التي جمعتها الجلالة، وهي أقرب اللوازم إلى الذات الأقدس، ودل التعبير به على أنه لا مقوم للهوية من جنس ولا غيره ولا سبب، وإلا لكان العدول عنه إلى التعريف باللازم قاصراً، وعلى أن إلهيته على الإطلاق لجميع الموجدات، فكان شرح تلك الهوية باللازم أبلغ البلاغة، وأحكم الحكمة ؛ لأنه - مع كونه هو الحق - مشيراً إلى ما ذكر من الدقائق.
ولما ذكرت الذات التي لا سبب لها ولا مقوم من جنس ونوع وغيره أصلاً ؛ بل هي مجرد وحدة وتنزه عن تركب لا كثرة لها، ولا اثنينية بوجه، وعرفها باسم جامع لأنواع السلوب والإضافات اللازمة له هو أقرب اللوازم إليها، فانشرح وجودها المخصوص على ما هو عليه، فكان ذلك تعريفاً كاملاً ؛ لأن تعريف ما لا تركب فيه باللوازم القريبة في الكمال كتعريف المركبات بمقوماتها، فإن التعريف البالغ هو أن يحصل في النفس صورة مطابقة للمعقول، وكانت الزيادة في الشرح مطلوبة ؛ لأنها أكمل لا سيما في الأمور الباطنة الخفية، أتبع ذلك باسم سلبي إشارة إلى أن النظر في هذه الدار إلى جانب الجلال ينبغي كونه أعظم، وذلك الاسم قربه من الجلالة كقربتها من الهوية، فإنه دال على الوحدة الكاملة المجردة، وهو متنزل الجلالة كما أنها متنزل الهوية، وهو كما أن الجلالة لم يقع فيها شركة أصلاً قد ضاهاها في أنه لا شركة لغيره تعالى فيه عند استعماله مفرداً بمعناه الحقيقي إلا أن في النفي إشارة إلى أن كل ما عداه سبحانه عدم، فقال مكاشفاً للقلوب وللعارفين مكذباً للنصارى القائلين بالأب والابن وروح القدس، ولليهود القائلين بأنه جسم، وللمجوس الذين يقولون بأنه اثنان : نور يخلق الخير، وظلام يخلق الشر، وللصابئة الذين يعبدون النجوم، وللمشركين القائلين بإلهية الأصنام، مخبراً خبراً آخر، أو مبدلاً من الجلالة، أو مخبراً عن مبتدأ محذوف :﴿أحد﴾ وهو لأجل كونه خاصة في الإثبات حال الانفراد به تعالى معرفة غني عن " آل " المعرفة، وهو أعرق في الدلالة على صفات الجلال، كما أن الجلالة أعرق في الدلالة على صفات الكمال ؛ لأن الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما : كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة، وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الكاملة والحكمة التامة المقتضية للألوهية من غير لزوم دور، ولا تسلسل من جهة تركب أو غيره.
وقرىء بإسقاط " قل " هنا وفي المعوذتين مع الاتفاق على إثباتها في الكافرون، ونفيها في تبت، ولعل الحكمة أن الكافرون مخاطبة للكفار بما بين مشاققة ومتاركة، فناسب الحال أن يكون ذلك منه ﷺ، وتبت معاتبة عم رسول ﷺ وتوبيخه فلا يناسب أن يكون ذلك من النبي ﷺ، والباقيات ما بين توحيد وتعوذ، فناسب أن يؤمر بتبليغه وأن يدعو به.
ورتب الأحدية على الإلهية دون العكس ؛ لأن الإلهية عبارة عن استغنائه عن الكل، واحتياج الكل إليه، وكل ما كان كذلك كان واحداً مطلقاً، وإلا لكان محتاجاً إلى أجزائه، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة، والوحدة لا تقتضي الإلهية، وعبر به دون " واحد " ؛ لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه، والواحد - قال ابن سينا - مقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلاً أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي ينقسم انقساماً عقلياً أولى مما ينقسم بالحس، والذي ينقسم بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، وإذا ثبت أن الوحدة قابلة للأشد والأضعف.
وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الوحدة الذي لا يمكن أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها، وإلا لم يكن بالغاً أقصى المرام، والأحد جامع لذلك دال على الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلاً، لا معنوية من المقومات من الأجناس والفصول، ولا بالأجزاء العقلية كالمادة والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك لكونه سبحانه منزهاً عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر وجوه التثنية التي تثلم الوحدة الكاملة الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه ؛ لأن كل ما كانت هويته إنما تحصل من اجتماع أجزاء كانت هويته موقوفة على حصول تلك الأجزاء، فلا يكون هو هو لذاته ؛ بل لغيره، فلذا كان منزهاً عن الكثرة بكل اعتبار، ومتصفاً بالوحدة من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن، فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه، وأقهر سلطانه، فهو منتهى الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظم والبهج أقصى نعوت الناعتين، وأعظم وصف الواصفين ؛ بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه وحيه المقدس الحكيم، وبالكلام على معناه ومعنى الواحد تحقق ما تقدم. قال الإمام أبو العباس الإقليشي في شرح الأسماء : فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما مترادفين، فمنهم من قال : أصل أحد واحد، سقطت منه الألف، ثم أبدلت الهمزة من الواو المفتوحة. ومنهم من قال : ليس أصله واحد، وإن كانا بمعنى واحد ؛ بل أصله وحد - من الوحدة - يحد فهو وحد، مثل حسن يحسن فهو حسن. من الحسن، أبدلت الواو همزة، وأما من فرق بينهما فمنهم من قال : أحد اسم على حياله لا إبدال فيه ولا تغيير، ومنهم من قال : أصله وحد، أبدلت الواو همزة، انتهى، وقد استخلصت الكلام على الاسمين الشريفين من ع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى