اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾. في «هُوَ » وجهان :
أحدهما : أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا : صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل : قالوا له : أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ » مبتدأ، و «أحد » خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله » بدلاً، و«أحد » الخبر، ويجوز أن يكون «الله » خبراً أولاً، و«أحد » خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد » خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد »، والثاني : ضمير الشأن ؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد » بدل من واو ؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه : امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد » هذا، و «أحد » المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء(١) أن همزة «أحد » هذا غير مقلوبة ؛ بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد » و «واحد » بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان، و «أحد » لا يدخله ذلك، ويقال : اللهُ أحد، ولا يقال : زيد أحد ؛ لأن لله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال(٢) : أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد. انتهى.
وقال مكيٌّ : إن أصله :«واحد »، فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان ؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ(٣) :﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ ».
وقرأ النبي(٤) ﷺ :﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾.
وقرأ الأعمش(٥) :«قل هو الله الواحد ».
وقرأ العامة : بتنوين «أحَدٌ » وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق(٦) والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير : بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله :[ الكامل ]
وقوله :[ المتقارب ]
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب(٨) : ونكر لفظ أحد ؛ لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد ؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق ؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى :﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، وفي سورة «الإسراء» :﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: ١١١] ؛ لأن من النصارى من يقول : عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول : إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
قال القرطبي(٩) : وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو»، وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد»، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية ؛ لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله ﷺ : صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو، أم من نُحاس، أم من [ صفر ](١٠) ؟
فقال الله تعالى رداً عليهم :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عز وجل - والتكذيب لرسوله ﷺ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب : أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ :«انسب لنا ربك»، فأنزل الله تعالى :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾(١١)، والصمد : الذي لم يلد، ولم يولد ؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية : أن النبي ﷺ ذكر آلهتهم، فقالوا : انسب لنا ربك، قال : فأتاه جبريل بهذه السورة :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾(١٢).
قال الترمذي : وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ(١٣) :«ففي هذا الحديث إثبات لفظ، «قل هو الله أحد»، وعن عكرمة نحوه»(١٤).
وقال ابن عباس :«لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و«لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال : عزير ابن الله.
أحدهما : أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا : صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل : قالوا له : أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ » مبتدأ، و «أحد » خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله » بدلاً، و«أحد » الخبر، ويجوز أن يكون «الله » خبراً أولاً، و«أحد » خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد » خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد »، والثاني : ضمير الشأن ؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد » بدل من واو ؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه : امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد » هذا، و «أحد » المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء(١) أن همزة «أحد » هذا غير مقلوبة ؛ بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد » و «واحد » بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان، و «أحد » لا يدخله ذلك، ويقال : اللهُ أحد، ولا يقال : زيد أحد ؛ لأن لله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال(٢) : أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد. انتهى.
وقال مكيٌّ : إن أصله :«واحد »، فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان ؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ(٣) :﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ ».
وقرأ النبي(٤) ﷺ :﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾.
وقرأ الأعمش(٥) :«قل هو الله الواحد ».
وقرأ العامة : بتنوين «أحَدٌ » وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق(٦) والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير : بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله :[ الكامل ]
| ٥٣٥٢- عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ | ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ(٧) |
| ٥٣٥٣-. . . | ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً(٨) |
قال ابن الخطيب(٨) : ونكر لفظ أحد ؛ لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد ؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق ؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى :﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، وفي سورة «الإسراء» :﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: ١١١] ؛ لأن من النصارى من يقول : عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول : إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
فصل في الرد على من أسقط «قل هو» :
قال القرطبي(٩) : وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو»، وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد»، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية ؛ لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله ﷺ : صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو، أم من نُحاس، أم من [ صفر ](١٠) ؟
فقال الله تعالى رداً عليهم :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عز وجل - والتكذيب لرسوله ﷺ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب : أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ :«انسب لنا ربك»، فأنزل الله تعالى :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾(١١)، والصمد : الذي لم يلد، ولم يولد ؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية : أن النبي ﷺ ذكر آلهتهم، فقالوا : انسب لنا ربك، قال : فأتاه جبريل بهذه السورة :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾(١٢).
قال الترمذي : وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ(١٣) :«ففي هذا الحديث إثبات لفظ، «قل هو الله أحد»، وعن عكرمة نحوه»(١٤).
وقال ابن عباس :«لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و«لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال : عزير ابن الله.
١ ينظر: الإملاء ٢/٢٩٧..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٢٩..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٨١٧، والدر المصون ٦/٥٨٨..
٤ ينظر: السابق..
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٥٨٨..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٤٦، والبحر المحيط ٨/٥٢٩، والدر المصون ٦/٥٨٨..
٧ تقدم..
٨ تقدم..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٢٩..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٨١٧، والدر المصون ٦/٥٨٨..
٤ ينظر: السابق..
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٥٨٨..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٤٦، والبحر المحيط ٨/٥٢٩، والدر المصون ٦/٥٨٨..
٧ تقدم..
٨ تقدم..