التفسير المظهري — المظهري
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قل﴾ يا محمد ﴿هو﴾ الضمير إما للشأن، والجملة الواقعة بعدها خبر له، ولا حاجة إلى العائد ؛ لأنه هي هو، وإما عائد إلى ما سأل عنه يعني الذي سألتموني هو ﴿الله﴾ خبر لهو ﴿أحد﴾ بدل من الله، أو خبر ثان لهو أصله وحد بمعنى واحد، أبدلت الواو همزة. وفي قراءة ابن مسعود ( قل هو الله الواحد )، وكذا قرأ عمرو بن الخطاب، وعلى تقدير كون الضمير للشأن، وكون الله أحد مبتدأ وخبر فالكلام ليس على ظاهره ؛ لأن الله علم للجزء الحقيق لا يكون إلا واحدا يمتنع فرض صدقه على كثيرين كزيد، فيلزم الاستدراك، ولا يفيد الكلام، فالواجب أن يراد بلفظ الله معنى كليا يعني مستحقا للعبادة لكل من سواه، وذلك الاستحقاق لا يتصور إلا بإضافة الوجود وتوابعه على ما عداه، وذلك الإفاضة لا يتصور إلا من الذات الواجب وجوده وصفات كماله الممتنع عليه صفات النقص والزوال المباين للمكنات في حقيقة ذاته وصفاته ؛ لأن اقتضاء وجود غيره فرع اقتضاء وجوده في نفسه، وما لا يقتضي وجوده في نفسه كيف يقتضي وجود غيره، سواء كان ذلك الغير جوهرا أو عرضا، أو فعلا من أفعال العباد، وذلك معنى الوجوب والنقص والزوال ومشابهة الممكنات ينافي الوجود واستحقاق العابدة، فمعنى الجملة المستحق للعبادة على الإطلاق، الواجب لذاته وجوده وصفاته الكاملة، الممتنع عليه صفات النقص والزوال، واحد لا شريك له، وحينئذ أفاد الكلام فائدة تامة غير أنه على هذا التأويل لا يطابق الجواب السؤال ؛ لأنهم لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن كونه تعالى واحدا أو متكثرا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم بأعلى صوته إلى التوحيد، وقول لا إله إلا الله ؛ بل سألوه عن حقيقة الذاتية، وقالوا : يا محمد، صف لنا ربك الذي بعثك : أمن الذهب هو، أم من فضة، أو نحو ذلك ؟ وكذا إن كان الضمير عائدا إلى المسؤول عنه، لا جائز أن يقال معنى الجملة أنه واحد غير متكثر، فإنه لا يطابق السؤال، فالواجب على كلا التأويلين أن يكون المراد بأحد ما يكون منزها عن أنحاء التركيب والتعد، وما يستلزم أحدهما من الجسمية والتميز والمشاركة لشيء من الأشياء في الحقيقة، والمشابهة لشيء من الأشياء في صفة من صفات الكمال، وإذا لم يشابهه أحد في الذات ولا في صفة من الصفات لا يكون له ند ولا ضد ولا مثل، ومن ها هنا قالت الصوفية : العلية أحديته تعالى، وعدم مشابهة أحد له تعالى في صفة من الصفات يقتضي أن لا يشاركه أحد في الوجود، فإن أصل الصفات والحياة التي هي أم الصفات وإمامها من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والتكوين فرع للوجود بالمعنى المصدري، فهو أمر انتزاعي مترتب عليه، ومن ثم قالوا : يعني لا إله إلا الله موجود إلا الله، فالموجود الحقيق في الخارج لي إلا الله تعالى، وما عداه من الممكنات الموجودة متصفة بوجوده، كالظل لوجوده في الخارج، أو هو كالظل للخارج الحقيقي، وكذا الحال في العلم والقدرة وسائر الصفات، قال الله تعالى :﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾(١) يعني الثابت المتحقق المتأصل في وجوده وصفاته، ﴿وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ يعني اللاشيء في نفسه، وقال الله تعالى :﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾(٢) فصفات الممكنات إنما يشارك صفات الواجب تعالى اشتراكا اسميا لا اشتراكا حقيقيا، ومن لا يفهم كلام الصوفية فعليه التشبث بأذيالهم ﴿حتى يتبيّن لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط﴾(٣) ففي جملة واحدة تم الإشارة إلى مباحث الذات والصفات كلها في كلمة ( قل )، إشارة إلى النبوة والتبليغ وإعجاز الآية شاهد على النبوة، فكفى ب﴿قل هو الله أحد﴾ عن المجلدات، وإن بقي الكلام في مثل أن صفاته تعالى عين ذات، ه أو زائدة عليها، فلا محذور فيه، ولا يتعلق به غرض ؛ بل البحث عن مثل هذه الأبحاث الفلسفة يقضي إلى المهلكة، قال الله تعالى :﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ٨٥﴾(٤)، فإذا لم يؤت البشر العلم بحقيقة الروح وهو من الخلائق فأنى له العلم بذات الخالق وصفاته إلا أعجز عن درك إدراكه. . . والبحث عنه إشراك، والسبيل إليه المعية الحبيبة لا غير. عن أبي هريرة قال :( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى أحمر وجهه، حتى كأنما فقيء في وجنتيه حب الرمان، فقال : أبهذا أمرتم ؟ أبهذا أرسلت إليكم ؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه " (٥)، رواه الترمذي، وروى ابن ماجه نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
١ سورة الحج، الآية: ٦..
٢ سورة القصص، الآية: ٨٨..
٣ سورة فصلت: الآية: ٥٣- ٥٤..
٤ سورة الإسراء، الآية: ٨٥..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: ما جاء في التشديد في الخوض في القدر (٢١٣٣)..
٢ سورة القصص، الآية: ٨٨..
٣ سورة فصلت: الآية: ٥٣- ٥٤..
٤ سورة الإسراء، الآية: ٨٥..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: ما جاء في التشديد في الخوض في القدر (٢١٣٣)..