البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
قلت :﴿هو﴾ ضمير الشأن مبتدأ، والجملة بعده خبر، ولا تحتاج إلى رابط ؛ لأنها نفس المبتدأ، فإنها عين الشأن الذي عبّر عنه بالضمير، ورفعه من غير عائد يعود عليه ؛ للإيذان بأنه الشُهرة والنباهة بحيث يستحضره كلُّ أحد، وإليه يُشير كل مُشير، وعليه يعود كل ضمير، كما يُنبئ عنه اسم الشأن، الذي هو القصد. والسر في تصدير الجملة به للتنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها، وجلالة حيزها، مع ما فيه من زيادة تحقيقٍ وتقرير، فإنَّ الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلاّ شأن مبهم، له خطر جليلٍ، فيبقى الذهن مترقباً لِما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكُّن. وكل جملة بعد خبره مقرِّره لِما قبلها على ما يأتي.
يقول الحق جلّ جلاله مجيباً للمشركين لَمّا قالوا : صِفْ لنا ربك الذي تدعونا إليه، وانسبه ؟ فسكت عنهم صلى الله عليه وسلم فنزلت(١)، أو اليهود، لَمّا قالوا : صِفْ لنا ربك وانسبه، فإنه وَصَفَ نفسه في التوراة ونَسَبَها، فارتعد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى خَرّ مغشيًّا عليه، فنزل جبريلُ عليه السلام بالسورة(٢). ويمكن أن تنزل مرتين كما تقدّم.
فقال جلّ جلاله :﴿قل هو اللهُ﴾ المعبود بالحق، الواجب الوجود، المستحق للكمالات، ﴿أحَدٌ﴾ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لا يتبعّض ولا يتجزّأ، ولا يُحد، ولا يُحصَى، أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، ظاهر بالتعريف لكل أحد، باطن في ظهوره عن كل أحد.
وأصل ﴿أحد﴾ هنا " وَحَد "، فأبدلت الواو همزة، وليست كأحد، الملازم للنفي، فإنَّ همزة أصلية. ووصفه تعالى بالوحدانية له ثلاث معان، الأول : أنه لا ثاني له، فهو نفي للعدد، والآخر : أنه واحد لا نظير له ولا شريك له، كما تقول : فلان واحد عصره، أي : لا نظير له، الثالث : أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعّض. والأظهر أن المراد هنا : نفي الشريك، لقصد الرد على المشركين. انظر ابن جزي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد اشتملت السورةُ على التوحيد الخاص، أعني : توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني : توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان : مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة ( هو ) تُشير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية.
و( الله ) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفقة من بحر الجبروت ؛ لأنّ حقيقة المشاهدة : تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة : تلطيف الكثيف، فالمعاينة أرقّ، فشهود الكون أنواراً كثيفة فاضت من بحر الجبروت مشاهدة، فإذا لَطَّفها حتى اتصلت بالبحر اللطيف المحيط، وانطبق بحر الأحدية على الكل سُميت معاينةً، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلال وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان، فالآية من باب التدلي.
قال القشيري : يقال : كاشَفَ تعالى الأسرارَ بقوله ( هو )، والأرواحَ بقوله :( الله )، وكاشف القلوبَ بقوله :( أحد )، وكاشف نفوسَ المؤمنين بباقي السورة. ويُقال : كاشف الوالهين بقوله :( هو )، والموحِّدين بقوله :( الله )، والعارفين بقوله :( أحد )، والعلماء بالباقي، ثم قال : ويُقال : خاطب خاصة الخاص بقوله :( هو ) فاستقلوا، ثم خاطب الخواص بقوله ( الله ) فاشتغلوا، ثم زاد في البيان لمَن نزل عنهم، فقال :( أحد )، ثم نزل عنهم بالصمد، وكذلك لمَن دونهم. هـ. وقال في نوادر الأصول : هو اسم لا ضمير، من الهوية، أي : الحقيقة. انظر بقية كلامه.
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : والحاصل : أنَّ الإشارة بـ " هو " مختصة بأهل الاستغراق والتحقُّق في الهوية الحقيقة، فلانطباق بحر الأحدية عليهم، وانكشاف الوجود الحقيقي لديهم، فقدوا مَن يشار إليه إلاّ هو ؛ لأنّ المُشار إليه لمّا كان واحداً كانت الإشارة مطلقة لا تكون إلاّ إليه، لفقد ما سواه في شعورهم، لفنائهم عن الرسوم البشرية بالكلية، وغيبتهم عن وجودهم، وعن إحساسهم وأوصافهم الكونية، وذلك غاية في التوحيد والإعظام. منحنا اللهُ ذلك على الدوام، وجعلنا من أهله، ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.


١ أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١١٢، حديث ٣٣٦٤، وأحمد في المسند ٥/١٣٤..
٢ أخرجه الطبري في تفسيره ٣٠/٣٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ٦/٧٠٤-٧٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى