مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قل هو الله أحد﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل، فصارت جنة مطلقة، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غنى، فإنه ينشط للانتجاع إليه، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري، فبعث الله رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك، بل قل هو الذي عرفته صادقا يقول لي :﴿قل هو الله أحد﴾ فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معا، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾.
المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لابد في سورة :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة :﴿تبت﴾ وأما في هذه السورة فقد اختلفوا، فالقراءة المشهورة :﴿قل هو الله أحد﴾ وقرأ أبي وابن مسعود. بغير قل هكذا :﴿هو الله أحد﴾ وقرأ النبي ﷺ، بدون ( قل هو ) هكذا :﴿الله أحد الله الصمد﴾ فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره، بل يحكي كل ما يقال له، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام.
المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها ( أحدها ) : أن هو كناية عن اسم الله، فيكون قوله : الله مرتفعا بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قوله :﴿أحد﴾ ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم ( الثاني ) : أن هو كناية عن الشأن، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعا بالابتداء وأحد خبره، والجملة تكون خبرا عن هو، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد، ونظيره قوله :﴿فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ إلا أن هي جاءت على التأنيث، لأن في التفسير : اسما مؤنثا، وعلى هذا جاء :﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة، كقوله :﴿إنه من يأت ربه مجرما﴾ ( والثالث ) : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد.
المسألة الرابعة : في أحد وجهان ( أحدهما ) : أنه بمعنى واحد، قال الخليل : يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة ( والقول الثاني ) : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء. ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها ( أحدها ) : أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه ( وثانيها ) أنك إذا قلت : فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد، فإنك لو قلت : فلان لا يقاومه أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان ( وثالثها ) : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي، تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا وتقول في النفي : ما رأيت أحدا فيفيد العموم.
المسألة الخامسة : اختلف القراء في قوله :﴿أحد الله الصمد﴾ فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله، وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر، وعن أبي عمرو، أحد الله بغير تنوين، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم، ويرمي القوم، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو :﴿لم يك﴾ ﴿فلا تك في مرية﴾ فكذا ههنا حذفت في ( أحد الله ) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف.
وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله :﴿عزير ابن الله﴾ وروي أيضا عن أبي عمرو :﴿أحد الله﴾ وقال : أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون، قال أبو علي : قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال :﴿فأضلونا السبيلا ربنا﴾ ﴿وما أدراك ماهيه نار﴾ فكذلك ﴿أحد الله﴾ لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم، وقرأ الأعمش :﴿قل هو الله الواحد﴾ فإن قيل : لماذا ؟ قيل : أحد على النكرة، قال الماوردي : فيه وجهان ( أحدهما ) : حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل : هو الله الأحد ( والثاني ) : أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم.
المسألة السادسة : اعلم أن قوله :﴿هو الله أحد﴾ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين ( فالمقام الأول ) : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه، وقوله :﴿هو﴾ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط، فلهذا السبب كانت لفظة :﴿هو﴾ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء، ( المقام الثاني ) : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق، بل لابد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق : فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة الله بلفظة هو، فقيل : لأجلهم هو الله، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه، ويستغني هو عن كل ما عداه ( والمقام الثالث ) : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل :﴿قل هو الله أحد﴾.
وههنا بحث آخر : أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية، أما الإضافية فكقولنا : عالم، قادر مريد خلاق، وأما السلبية فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانيا على النوع الثاني منها، وقولنا : الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات السلبية، فكان قولنا :﴿الله أحد﴾ تاما في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية، وإنما قلنا : إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبدا بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات. وهذه مجامع الصفات الإضافة، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل مركب فهو ممكن لذاته، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكنا، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية، وجب أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزا، وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد، ويجب أن لا يكون حالا في شيء، لأنه مع محله لا يكون أحدا، ولا يكون محلا لشيء، لأنه مع حاله لا يكون أحدا، وإذا لم يكن حالا ولا محلا لم يكن متغيرا البتة لأن التغير لابد وأن يكون من صفة إلى صفة، وأيضا إذا كان أحدا وجب أن يكون واحدا إذ لو فرض موجودان واجبا الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب، فثبت أن كونه أحدا يستلزم كونه واحدا ( فإن قيل ) : كيف يعقل كون الشيء أحدا، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد ( الجواب ) : أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله :﴿الله أحد﴾ كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله :﴿وإلهكم إله واحد﴾.
المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل، فصارت جنة مطلقة، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غنى، فإنه ينشط للانتجاع إليه، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري، فبعث الله رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك، بل قل هو الذي عرفته صادقا يقول لي :﴿قل هو الله أحد﴾ فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معا، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾.
المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لابد في سورة :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة :﴿تبت﴾ وأما في هذه السورة فقد اختلفوا، فالقراءة المشهورة :﴿قل هو الله أحد﴾ وقرأ أبي وابن مسعود. بغير قل هكذا :﴿هو الله أحد﴾ وقرأ النبي ﷺ، بدون ( قل هو ) هكذا :﴿الله أحد الله الصمد﴾ فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره، بل يحكي كل ما يقال له، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام.
المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها ( أحدها ) : أن هو كناية عن اسم الله، فيكون قوله : الله مرتفعا بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قوله :﴿أحد﴾ ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم ( الثاني ) : أن هو كناية عن الشأن، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعا بالابتداء وأحد خبره، والجملة تكون خبرا عن هو، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد، ونظيره قوله :﴿فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ إلا أن هي جاءت على التأنيث، لأن في التفسير : اسما مؤنثا، وعلى هذا جاء :﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة، كقوله :﴿إنه من يأت ربه مجرما﴾ ( والثالث ) : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد.
المسألة الرابعة : في أحد وجهان ( أحدهما ) : أنه بمعنى واحد، قال الخليل : يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة ( والقول الثاني ) : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء. ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها ( أحدها ) : أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه ( وثانيها ) أنك إذا قلت : فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد، فإنك لو قلت : فلان لا يقاومه أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان ( وثالثها ) : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي، تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا وتقول في النفي : ما رأيت أحدا فيفيد العموم.
المسألة الخامسة : اختلف القراء في قوله :﴿أحد الله الصمد﴾ فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله، وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر، وعن أبي عمرو، أحد الله بغير تنوين، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم، ويرمي القوم، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو :﴿لم يك﴾ ﴿فلا تك في مرية﴾ فكذا ههنا حذفت في ( أحد الله ) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف.
وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله :﴿عزير ابن الله﴾ وروي أيضا عن أبي عمرو :﴿أحد الله﴾ وقال : أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون، قال أبو علي : قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال :﴿فأضلونا السبيلا ربنا﴾ ﴿وما أدراك ماهيه نار﴾ فكذلك ﴿أحد الله﴾ لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم، وقرأ الأعمش :﴿قل هو الله الواحد﴾ فإن قيل : لماذا ؟ قيل : أحد على النكرة، قال الماوردي : فيه وجهان ( أحدهما ) : حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل : هو الله الأحد ( والثاني ) : أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم.
المسألة السادسة : اعلم أن قوله :﴿هو الله أحد﴾ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين ( فالمقام الأول ) : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه، وقوله :﴿هو﴾ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط، فلهذا السبب كانت لفظة :﴿هو﴾ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء، ( المقام الثاني ) : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق، بل لابد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق : فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة الله بلفظة هو، فقيل : لأجلهم هو الله، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه، ويستغني هو عن كل ما عداه ( والمقام الثالث ) : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل :﴿قل هو الله أحد﴾.
وههنا بحث آخر : أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية، أما الإضافية فكقولنا : عالم، قادر مريد خلاق، وأما السلبية فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانيا على النوع الثاني منها، وقولنا : الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات السلبية، فكان قولنا :﴿الله أحد﴾ تاما في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية، وإنما قلنا : إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبدا بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات. وهذه مجامع الصفات الإضافة، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل مركب فهو ممكن لذاته، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكنا، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية، وجب أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزا، وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد، ويجب أن لا يكون حالا في شيء، لأنه مع محله لا يكون أحدا، ولا يكون محلا لشيء، لأنه مع حاله لا يكون أحدا، وإذا لم يكن حالا ولا محلا لم يكن متغيرا البتة لأن التغير لابد وأن يكون من صفة إلى صفة، وأيضا إذا كان أحدا وجب أن يكون واحدا إذ لو فرض موجودان واجبا الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب، فثبت أن كونه أحدا يستلزم كونه واحدا ( فإن قيل ) : كيف يعقل كون الشيء أحدا، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد ( الجواب ) : أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله :﴿الله أحد﴾ كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله :﴿وإلهكم إله واحد﴾.