إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ الضميرُ للشأنِ، ومدارُ وضعِهِ وموضِعِهِ معَ عدمِ سبقِ ذكرِه الإيذانُ بأنَّه منَ الشهرةِ والنباهةِ بحيثُ يستحضرُهُ كلُّ أحدٍ، وإليهِ يشيرُ كُلُّ مشيرٍ، وإليهِ يعودُ كلُّ ضميرٍ، كما ينبئُ عَنْهُ اسمُهُ الذي أصلُهُ القصدُ، أطلقَ عَلى المفعولِ مبالغةً، ومحلُّه الرفعُ عَلى الابتداءِ خبرُهُ، الجملةُ بعدَهُ، ولا حاجةَ إلى الربطِ ؛ لأَنَّها عينُ الشأنِ الذي عبرَ عَنْهُ بالضميرِ، والسرُّ في تصديرِ الجملةِ بهِ التنبيهُ منْ أولِ الأمرِ عَلى فخامةِ مضمونِهَا، وجلالةِ حيزِهَا معَ مَا فيهِ منْ زيادةِ تحقيقٍ وتقريرٍ، فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ من أولِ الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ جليلٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما أمامَهُ مما يفسرُهُ ويزيلُ إبهامَهُ، فيتمكنُ عندَ ورودِهِ لَهُ فضلُ تمكنٍ، وهمزةُ أحدٍ مُبدلةٌ منْ الواوِ، وأصلُهُ وَحَدٌ لاَ كهمزةِ ما يلازمُ النفيَ، ويرادُ بهِ العمومُ كمَا في قولِهِ تعالَى :﴿فَمَا مِنكُم منْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين﴾ [ سورة الحاقة، الآية ٤٧ ]، ومَا في قولِهِ عليهِ السلامُ :" ما أحلتْ الغنائمُ لأحدٍ سودِ الرؤوسِ غيرِكُم، فإنَّها أصليةٌ ". وقالَ مكيٌّ : أصلُ أحدٍ واحدٌ، فأبدلتْ الواوُ همزةً فاجتمعَ ألفانِ ؛ لأنَّ الهمزةَ تشبهُ الألفَ، فحذفتْ إحداهُمَا تخفيفاً. وقالَ ثعلبٌ : إنَّ ( أحدٌ ) لا يُبنى عليهِ العددُ ابتداءً، فلا يقالُ : أحدٌ واثنانِ كَما يقالُ واحدٌ واثنانِ، ولا يقالُ : رجلٌ أحدٌ كما يقالُ رجلٌ واحدٌ، ولذلكَ اختصَّ بهِ تعالَى، أوْ هُوَ لما سئِلَ عَنْهُ، أيِ الذي سألتُم عنْهُ هُو الله ؛ إذ رُوِيَ أنَّ قريشاً قالُوا : صِفْ لَنَا ربكَ الذي تدعونَا إليهِ، وانسُبْهُ، فنزلتْ، فالضميرُ مبتدأٌ، والله خبرُهُ، وأحدٌ بدلٌ منْهُ، أو خبرٌ ثانٍ، أو خبرُه مبتدأٍ محذوفٍ. وقُرِئَ ﴿هُوَ الله أحدٌ﴾ بغيرِ قُلْ، وقُرِئ ( الله أحدٌ ) بغيرِ ( قُلْ هُوَ )، وقُرِئ ( قُلْ هُوَ الواحدُ ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى