تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية١ : قوله تعالى :﴿قل هو الله أحد﴾ ذكر أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ عن نسبة الله تعالى، وقيل : عن صفته، وقيل : عن الله تعالى، ما هو ؟ فنزلت هذه السورة معلمة لجميع من يسأل عنه جوابه، ولذلك أثبت :﴿قل﴾ لتكون مخاطبة كل مسؤول عن ذلك أن ﴿قل﴾ لا على تخصيص الرسول ﷺ بهذا الأمر ؛ إذ ليس في حق الائتمار بالأمر إعادة حرف الأمر في الائتمار، فتبين بذلك أنه ليس على تخصيص الرسول ﷺ بالتعلم ؛ بل هو أحق من سبق له الغنى عن تعلم الإجابة بهذا عند حضرة هذا السؤال، كما سبقت منه الدعوة إلى الله تعالى بحقيقة ما جرى به السؤال، وكما أثبت ذلك(١) ليقرأ أبدا.
وحق المخصوص / ٦٥٧ أ/ بالأمر أن يأتمر، ولا يجعل ذلك متلوّا كذلك في الوقت الذي لا يحتمل المأمور الأمر به. ثبت أن ذلك على ما شاء.
ودل قوله :﴿قل﴾ أنه على أمر سبق عنه السؤال، فيكون في ذلك إجابة لما سبق عنه السؤال، وكذلك جميع ما في القرآن :﴿قل﴾ فيه(٢) أحد أمرين : إما إجابة عن أمر سبق عنه السؤال، فينزل بحق تعريف كل مسؤول عن مثله، ( وإما أن )(٣) يكون الله تعالى إذ علم أنه عليه الصلاة والسلام أو من يتبعه يسأل عما يقتضي ذلك الجواب، فأنزل ما به يبقى في أهل التوحيد منّا منه وفضلا.
ثم لم يجب تحقيق الحرف الذي وقع عنه السؤال إلا لمن شهد، وقد يتوجه هذا الحرف الذي وقع عنه إلى ما ذكروا من الأسباب وغيرها، وفي ما نزل يصلح جواب ذلك كله، ويليق به، وإن كنا لا نشهد على حقيقة ما كان أنه ذا دون ذا، ونجيب بذلك لو سئلنا عما ذكرنا وعن كل حرف يصح في العقل، والحكمة الجواب بمثل ما اقتضته هذه السورة.
وقوله تعالى :﴿هو﴾ اختلف في تأويله : من الناس من قال : هو إضافة إلى الذي عنه كان، أو يكون السؤال المقتضى ما جرى به البيان من الجواب الذي يسألون عنه :﴿الله أحد﴾ ﴿الله الصمد﴾ إلى آخر السورة.
ومنهم من قال : هو اسم الله أكبر، يروى ذلك عن بعض أولاد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول في دعائه : يا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من به كانت هوية كل هو، وذلك يخرج على وجهين :
أحدهما : أنه هو بذاته وهوية كل من سواه لما هو يكون محتملا للتلاشي والوجود إلا هو، سبحانه لم يزل، ولا يزال هو ﴿ليس كمثله شيء﴾ ( الشورى : ١١ ) على ما اقتضى بيان وحدانيته في هذه السورة. وعلى ذلك قيل : هو الأحد بذاته، المنشئ أحدية كل الآحاد، المتعالي عن كل معاني أحدية من سواه.
والثاني أن تكون إضافته إلى اسمه الذي لا يحتمل اللسان، وهو الذي لم يطلع عليه الخلائق، وهو الذي يراد في الدعاء : باسمك الذي من سألك به أعطيته، ومن دعاك به أجبته، فيكون السؤال مما يكنى عنه من الوجه ( الذي )(٤) ذكرت، لا أن يسعه اللسان، أو يحتمل الطوق التفوه به، تعالى.
والتأويل الأول أقرب إلى الأفهام، وأحق أن يكون على ذكر من يقتضي عنه السؤال، ثم التفسير على ما جرى.
وقوله تعالى :﴿الله﴾، اختلف في المعنى الذي جرى هذا في حق أهل هذا اللسان ( في وجهين :
أحدهما : ما قال قوم :)(٥) إنه مما اشتق من أمر عرفوه أولا عن أمر عرفوه، إذ في كل لسان ما أريد به عند الذكر لبيان العرب اسم يدعي به، ويسمى، وإن اختلف وزن كل من ذلك على اختلاف الألسن ليعلم أن الأحرف والتقطيع في التكلم إنما هي(٦) ليفهم المقصود، لا على توهم حقيقة الاسم بتلك الحروف والتقطيع، وذلك كما يعبر عن تكوينه الخلائق ب :﴿كن﴾ لا على تحقيق كاف ونون في التكوين. فعلى ذلك جميع ما يسمي الله تعالى لا على تحقيق ( الحروف التي )(٧) يجري بها التسمية، ثم لا يحتمل طوقه إلا بها، لكن على ما يقرب إلى الأفهام المراد في التفوه به.
( والثاني : ما )(٨) قال قوم :﴿الله﴾ هو المعبود في لسان العرب لا على الاستحقاق، لكن على وضع ذلك كذلك.
دليله تسميتهم كل من عبدوه وكل شيء عبدوه إلها، وإن كان جميع ما سوى إله الحق ممن عبد لا يحتمل شيئا من تلك المعاني التي زعم من ادعى الاشتقاق عنها من الاحتجاب والالتجاء إليه ونحو ذلك. فثبت أنه اسم موضوع للمعبود.
وعلى ذلك قوله تعالى :﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ ( الفرقان : ٤٣ )، أي معبوده ما يهواه، لا أن للهوى شيئا من ذلك، فيكون المعبود الحق هو الله تعالى، لما له في كل شيء أثر عبودة ذلك الشيء، ودلالة الربوبية له عليه، سبحانه، هو المعبود بذاته لمعنى مستحق بذاته العبادة من جميع خلقه، والاستسلام له، والخضوع بما ذكرت من الموضوع في كل آية ذلك، ولا قوة إلا بالله.
وهذا تحقيق ما ذهبنا إليه أنه خالق بذاته، رحمان رحيم بذاته، موصوف به في الأزل، وإن كان الذي وصل إليه أثر رحمته، وفي ظهور دلالة تدبيره، حدث بعد أن لم يكن على ما كانت العبادة والاستحقاق، كان ممن حدث، وفي من كان بعد أن لم يكن، وهو إله، لم يزل، ولا يزال.
وعلى ذلك قوله تعالى :﴿مالك يوم الدين﴾ ( الفاتحة : ٤ )، ( وقوله :)(٩) ﴿وهو رب كل شيء﴾ ( الأنعام : ١٦٤ )، وإن كان من الأشياء ما سيكون لا أنها كانت كائنة، وكذلك يوم الدين، فعلى ذلك أمر خالق ونحو ذلك.
ومن هذا الوجه أنكر قوم أن يكون الإله اسم معبود في الحقيقة، أو اسم مشتق عن لسان ؛ إذ هو لم يزل إلها، ومن به العبادة، وعنه الاشتقاق حادث.
والأصل عندنا ما ذكرنا أنه بجميع ما وصف بذاته ؛ إذ لا يحتمل التغير والاستحالة، ولا نيل مدح بغير ممدح، وإنما يمدح به لذاته ؛ لأنه استحق من كل ذلك الوقت كون ذلك القول بالعالم والقادر أنه كذلك، وإن كان الذي علمه ممن سواه، وكل مقدور عليه حادث بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.
وقال الضحاك :﴿الله﴾ اسمه الأكبر ؛ لأنه يبتدأ به في كل موضع.
ثم اختلف في معنى الاشتقاق، فمنهم من يقول : أصله أله، من أله الرجل إلى آخر، أي التجأ إليه، واستجاره، فألهه بمعنى أجاره، وآمنه، فسمي إلها على وزن الفعال كما يسمى إماما لما يؤتم به، وفخم(١٠) بإدخال الألف واللام، ثم لين، وحذفت الهمزة كما هو لغة قريش، ثم أدغم أحد اللامين في الآخر، فشدد، فصار الله.
وعلى ذلك تأويل الصمد أن يصمد إليه في(١١) الحوائج، ويستغاث به، ويلتجأ إليه.
وقيل : إن اشتقاقه من وله ياله ولها، إذا فزع إليه، ( فسمي به ؛ لأنه المفزع إليه )(١٢)، وهو قريب من الأول، ولكن حق ذلك في الاسم أن يكون ولاها، فأبدلت الواو ألفا، كما يقال في وكاف : إكاف، وكذلك أهل الحجاز يجعلون الواو ألفا. قال الشاعر :
فأقبلت آلها ثكلى على عجل كل دهاها، وكل عندها اجتمعا )(١٣)
وقيل : سمي به ؛ لأنه إله كل شيء، أي ذلّله، وعبده، تألّه له أي عبده. قال قائلهم :
أله إلهك واحدا متفردا ساد الملوك بعزة، وتمجدا.
وقال آخرون : سمي به لاستتاره، ومنه يقال : لهت، فلا ترى. وقال الشاعر :
لاه ربي عن الخلائق طرا خالق الخلق لا يرى، ويرانا.
وقيل : سمي به لتحير القلوب عن التفكر في عظمته، كقوله : ألاهني الشيء حتى ألهت، ومنه مفازة ملهية، يعني العقل يحار عند النظر إلى عظمته، ومنه أله يأله، فهو إله. وقال الشاعر :
وبهماء تيه تأله العين وسطها مخفقة أعلام بيداء سملق
قال رضي الله عنه : والأصل عندنا الإغضاء عن هذا، لما أن الحاجة إلى تعرف الاشتقاق والوضع لتعرف محل الأمر وموقع الحكم، ومن جميع ما اشتقوا به الاسم تحتمل تسمية الغير بكل ذلك، وتحقيق الإضافة إلى ذلك، وتسميته إلها، أو إضافة ما به عرف الحقيقة لا يحتمل غيره، سبحانه وتعالى، ولا تجوز التسمية به. ثبت الغنى في معرفته عن جميع الوجوه التي أريد الاستخراج ؛ إذ هي طريق توصيل بهم إلى العلم بالمقصود، والوقوف على المراد، وقد عرف دون الذي ذكروا، والله أعلم.
والأصل عندنا / ٦٥٧ ب/ أن الله سبحانه وتعالى بلطفه يمنع الخلق عن تسمية أحد إلها، إلا من جهة أحوال تعترض، فسموا به على معنى جعل الاسم الذي جرت التسمية به حقيقة له، فسموا ظنا منهم أن بذلك التوسل والتقرب، لا أن يروا الشيء من ذلك حقيقة ذلك، بل قالوا :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ( الزمر : ٣ )، وقالوا :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ( يونس : ١٨ )، وقالوا :﴿والله أمرنا بها﴾ ( الأعراف : ٢٨ )، ليعلم أنهم عرفوا الله بما ادعوا لأنفسهم في ذلك معاني، تردهم إلى الله سبحانه وتعالى، فذكروا مجازا عن أحد لسانين، والله أعلم :
( أحدهما : عن )(١٤)لسان الرسل في ذكر الله تعالى في أمور تقربهم إلى الله تعالى لقوله تعالى :﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ ( النساء : ٥٩ ) وقوله(١٥) ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ ( محمد : ٧ ) وقوله(١٦) :﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ ( الفتح : ١٠ ).
وصف مبايعة العبيد ونصره أو نصر دينه نصر الله ومبايعته بما يقرب ذلك إليه، فعلى ذلك تسميتهم من عبدوها، لا أنهم رأوها(١٧)آلهة في الحقيقة.
( والثاني )(١٨) : عن ألسن الفلاسفة أن ليس لله اسم ذاتي، وإنما هو سمي بذكر ذي شرف ومنزلة عنده، فعلى ذلك أن محل من يعبدون عندهم ما ذكرنا من القول عنهم، فسموا به، لا أن حققوا كما ذكروا حقيقة ذلك الاسم إلى من عرفوه أنه إله ردوا أمرهم في ذلك، وذلك لطف من الله تعالى في ما سخرهم عليه، كتسمية الخالق والرحمان أنهم لا يسمون أحدا بهما، وإن كثرت أفعاله، وعظمت رحمته في الخلق، ليعلم أنها أسماء الله تعالى، منع الخلق عن التسمي بها باللطف من حيث لا يعرف سيبه.
ثم قوله تعالى :﴿قل هو الله أحد﴾ أي الأمر، هو الله أحد كما تقول : إنه زيد قائم، أي الأمر، زيد قائم، جواب من يسألك ما الأمر والشأن ( في أن )(١٩) قمت هاهنا ؟ فتقول : الأمر زيد قائم، أي قمت لأجله. إلى هذا يذهب الزجاج، كأنه يذهب إلى أنه لما قال :﴿قل هو الله أحد﴾، فقيل له : ما الأمر والشأن ؟ قال(٢٠) : الأمر الله أحد ليعرفوا أنه كذلك.
وقوله تعالى :﴿أحد﴾ يتوجه إلى واحد، ثم واحد اسم ينفي المثل في الإضافة. كما يقال : هو واحد الزمان، وواحد الخلق، في نفي التشبيه له عما أضيف إليه، ويكون واحدا من حيث العدد بما عن مثله يبتدأ الحساب، ولا يبتدأ من أحد، فيصير أحدا من ذا الوجه، وإن كان الله تعالى بأي حرفين ذكر، ففيه ذلك، وهو الواحد الذي يستحيل أن تكون وحدانيته من وجه يحتمل ثانيا، أو من وجه تعديل، هو الواحد الإله الخالق المتعالي عن معنى الأعداد والأنداد، وهو على ما ذكر الحكيم في الآحاد أنه أربعة(٢١) :
واحد :( هو كل، لا يحتمل التضعيف(٢٢) لإحالة كون وراء الكل.
وواحد )(٢٣) : هو الأقل، وهو الذي لا يحتمل التنصيف والتجزيء ؛ لأنه أقل الأشياء، فإذا ينصف يكون ذلك النصف أقل منه.
وواحد : هو واسط، وهو الذي ( يحتمل التصنيف والتضعيف جميعا.
والرابع : هو الذي )(٢٤) قام به الآحاد، هو ولا هو أخفى من هو ( هو )(٢٥) الذي انخرس عنه اللسان، وانقطع عنه البيان، وانحسرت عنه الأوهام، وحارت فيه الأفهام.
فذلك الله رب العالمين.
والأصل في ذلك أنه لا سبيل إلى العبارة عنه بغير هذا اللسان، ( ولا وجه )(٢٦)للتقريب إلى الأفهام بهذا ال
١ في الأصل وم: وكذلك.
٢ في الأصل وم: ما ففيه.
٣ في الأصل وم: أو.
٤ من م، ساقطة من الأصل.
٥ ساقطة من الأصل وم.
٦ في الأصل وم: هو.
٧ في الأصل وم: الحرف الذي.
٨ في الأصل وم: و.
٩ ساقطة من الأصل وم.
١٠ يقصد جعله علما للخالق.
١١ في الأصل وم: و.
١٢ من م، ساقطة من الأصل.
١٣ هذا عجز البيت وهو للأعشى الأكبر ميمون ابن قيس، انظر الديوان ص ١٠٥.
١٤ في الأصل وم: إما.
١٥ في الأصل وم: وقال.
١٦ في الأصل وم: وقال.
١٧ في الأصل وم: رأوا.
١٨ في الأصل وم: أو.
١٩ منة نسخة الحرم المكي في الأصل وم: فإن.
٢٠ في الأصل وم: فقال.
٢١ في الأصل وم: أربع.
٢٢ أي التعدد.
٢٣ من م، في الأصل: واحد.
٢٤ من م، ساقطة من الأصل.
٢٥ من م، ساقطة من الأصل.
٢٦ من م، في الأصل: والأوجه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى