اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى﴾، يعني القرآن «آمنَّا بِهِ »، وباللَّه، وصدقنا محمداً ﷺ على رسالته، وكان ﷺ مبعوثاً إلى الإنس والجنِّ.
قال الحسن - رضي الله عنه - بعث محمدٌ ﷺ إلى الإنس والجن ولم يبعث الله قط رسولاً من الجنِّ ولا من أهل البادية ولا من النِّساء، وذلك قوله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾(١)[يوسف: ١٠٩].
وفي الحديث :«بُعثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْودِ »، أي : الإنس والجن(٢). وقد تقدم هذا الكلام في سورة الأنعام في قوله تعالى :﴿يَا مَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾[ الآية : ١٣٠ ].
قوله :﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾.
قال ابنُ عباس : لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته(٣) ؛ لأن البخس : النقصان، والرهق : العدوان، وغشيان المحارمِ، وقد تقدم في بيت الأعشى.
قوله :«فَلا يَخَافُ »، أي : فهو لا يخافُ، أي فهو غير خائف ؛ ولأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبر فلذلك دخلت الفاءُ، ولولا ذلك لقيل : لا يخف، قاله الزمشخريُّ.
ثم قال :«فإن قلت : أي فائدة في رفع الفعل، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء، وكان كل ذلك مستغنى عنه بأن يقال : لا يخف ؟.
قلتُ : الفائدة أنَّه إذا فعل ذلك فكأنه قيل :" فهُو لا يخَافُ "، فكان دالاً على تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة وأنَّه هو المختص بذلك دُون غيره ».
قال شهاب الدين(٤) :«وسببُ ذلك أن الجملة تكون اسمية حينئذٍ، والاسمية أدلُ على التحقيقِ والثبوتِ من الفعلية ».
وقرأ ابن وثاب(٥) والأعمشُ : بالجزم، وفيها وجهان :
أحدهما : ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، أن «لا » نافية، والفاء حينئذ واجبة(٦).
والثاني : أنها نافية، والفاء حينئذٍ زائدةٌ، وهذا ضعيفٌ.
وقوله «بَخْساً »، فيه حذف مضاف، أي : جزاء بخس، كذا قرره الزمخشريُّ.
وهو مستغنى عنه.
وقرأ ابن(٧) وثاب :«بَخَساً » بفتح الخاء.
قال القرطبيُّ(٨) : وقرأ الأعمش ويحيى وإبراهيم :«فَلا يَخفْ » جزماً على جواب الشرط، وإلغاء الفاء أيضاً.
١ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١١٣) والقرطبي (١٩/١٢)..
٢ تقدم..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٢)..
٤ الدر المصون ٦/٣٩٤..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٦٢٨، والمحرر الوجيز ٥/٣٨٢، والدر المصون ٦/٣٩٤..
٦ في أ: زائدة..
٧ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٤٤..
٨ الجامع لأحكام القرآن ١٩/١٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى