زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا﴾ اختلفوا في هذا الغلام هل كان بالغاً، أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أنه لم يكن بالغاً، قاله ابن عباس، ومجاهد، والأكثرون.
والثاني : أنه كان شاباً قد قبض على لحيته، حكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا، واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم، فلم يستحق القتل. وقد يسمى الرجل غلاماً، قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج :
غلام إذا هز الفتاة سقاها ***. . .
وفي صفة قتله له ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه اقتلع رأسه، وقد ذكرناه في حديث أبي.
والثاني : كسر عنقه، قاله ابن عباس.
والثالث : أضجعة وذبحه بالسكين، قاله سعيد بن جبير.
قوله تعالى :﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكية﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر :" زكية " بغير ألف، والياء مشددة. وقرأ الباقون بالألف من غير تشديد. قال الكسائي : هما لغتان بمعنى واحد، وهما بمنزلة القاسية، والقسية.
وللمفسرين فيها ستة أقوال :
أحدها : أنها الثانية، روي عن ابن عباس أنه قال : الزكية : التائبة، وبه قال الضحاك.
والثاني : أنها المسلمة، روي عن ابن عباس أيضاً.
والثالث : أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا، قاله سعيد بن جبير.
والرابع : أنها الزكية النامية، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري : القويمة في تركيبها.
والخامس : أن الزكية : المطهرة، قاله أبو عبيدة.
والسادس : أن الزكية : البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها، قاله الزجاج.
وقد فرق بعضهم بين الزاكية، والزكية، فروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : الزاكية : التي لم تذنب قط، والزكية : التي أذنبت ثم تابت. وروي عن أبي عبيدة أنه قال : الزاكية في البدن، والزكية في الدين.
قوله تعالى :﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي : بغير قتل نفس ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي :" نكرا " ً خفيفة في كل القرآن، إلا قوله ﴿إِلَى شَيْء نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، وخفف ابن كثير أيضاً " إلى شيء نكر ". وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم :" نكرا " ً و " إلى شيء نكر " مثقل. والمخفف إنما هو من المثقل، كالعنق، والعنق، والنكر والنكر. قال الزجاج : والمعنى : لقد أتيت شيئاً نكراً. ويجوز أن يكون معناه : جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء، أفضى الفعل فنصب نكراً، و " نكرا " أقل منكراً من قوله :" إمراً " لأن تغريق من في السفينة كان عنده أذكر من قتل نفس واحدة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى