فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاب
﴿فانطلقا﴾ بعد خروجهما من السفينة يمشيان ﴿حتى إذا لقيا غلاما﴾ قيل كان اسمه شمعون، ذكره القرطبي ؛ ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير، قيل كان الغلام يلعب مع الصبيان ﴿فقتله﴾ أي فاقتلع الخضر رأسه أو ذبحه بالسكين أو ضرب رأسه بالجدار أقوال، وأتى هنا بالفاء العاطفة لأن القتل عقب اللقىّ وجواب إذا ﴿قال﴾ موسى ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ هي البريئة من الذنوب، الطاهرة.
قال أبو عمر : الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت، وقال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان، وقال الفراء : الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية، قال ابن عباس : زاكية مسلمة، وقال سعيد ابن جبير : لم يبلغ الخطايا. وعن الحسن نحو ﴿بغير﴾ قتل ﴿نفس﴾ محرمة حتى يكون قتل هذه قصاصا ﴿لقد جئت﴾ أي فعلت ﴿شيئا نكرا﴾ أي فظيعا منكرا لا يعرف في الشرع، قرئ بسكون الكاف وضمها وهما سبعيتان، قيل معناه أنكر من الأمر الأول لكون القتل لا يمكن تداركه بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن تداركه بإرجاعه. وقيل النكر أقل من الإمر، لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة.
وعن قتادة قال : النكر أنكر من العجب، قيل استبعد موسى أن يقتل نفسا بغير نفس ولم يتأول للخضر بأنه يحل القتل بأسباب أخر. عن أبي العالية عند ابن المنذر وابن أي حاتم قال : كان الخضر عبدا لا تراه الأعين إلا من أراد الله أن يريه إياه، فلم يراه من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام.
وأقول ينبغي أن ينظر من أين له هذا، فإن لم يكن مستنده إلا قوله " ولو رآه القوم الخ " فليس ذلك بموجب لما ذكره أما أولا فإن الجائز أن يفعل ذلك من غير أن يراه أهل السفينة وأهل الغلام لا لكونه لا تراه الأعين، بل لكون فعل ذلك من غير اطلاعهم.
وأما ثانيا فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه، ويدل عليه قول النبي ﷺ في الحديث المتقدم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء فسلموا الأمر لله. وعن عطاء قال : كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم، وفي لفظ ولكنك لا تعلم، وقد نهى الرسول ﷺ عن قتلهم فاعتزلهم.
وأخرج مسلم وأبو داوود والترمذي وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال : الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو أدرك لأرهق بأبويه طغيانا وكفرا. (١).
واعلم أنه قد رويت في قصة موسى مع الخضر المذكورة في الكتاب العزيز أحاديث كثيرة وأتمها وأكملها ما روي عن ابن عباس ولكنها اختلفت في بعض الألفاظ وكلها مروية عن سعيد بن جبير عنه وبعضها في الصحيحين وغيرهما وبعضها في أحدهما وبعضها خارج عنهما، وقد رويت من طريق العوفي عنه كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم ومن طرق أخرى فلنقتصر على الرواية التي هي أتم الراويات الثابتة في الصحيحين ففي ذلك ما يغني عن غيره وهي(١) :
قال سعيد ابن جبير قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :( إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم(٢).
فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق.
فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا.
قال سفيان : يزعم الناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام، قال أنا موسى ؛ قال موسى بن إسرائيل ؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال : إنك لن تستطيع معي صبرا، يا موسى إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك الله لا أعلمه. قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، فقال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفاجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا، قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ؟ قال : لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا.
قال وقال رسول الله ﷺ فكانت الأولى من موسى نسيانا، قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور الذي وقع على حرف السفينة من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذا أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا، قال : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا، قال : وهذه أشد من الأولى، قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا.
فانطلقا حتى إذا أتيا على أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال مائل، فقال الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ! لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا، فقال رسول الله ﷺ وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما.
قال سعيد بن جبير : وكان ابن عباس يقرأ : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين وبقية روايات سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب هي موافقة لهذه الرواية في المعنى وإن تفاوتت الألفاظ في بعضها، فلا فائدة في الإطالة بذكرها، وكذلك روايات غير سعيد عنه.
قال أبو عمر : الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت، وقال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان، وقال الفراء : الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية، قال ابن عباس : زاكية مسلمة، وقال سعيد ابن جبير : لم يبلغ الخطايا. وعن الحسن نحو ﴿بغير﴾ قتل ﴿نفس﴾ محرمة حتى يكون قتل هذه قصاصا ﴿لقد جئت﴾ أي فعلت ﴿شيئا نكرا﴾ أي فظيعا منكرا لا يعرف في الشرع، قرئ بسكون الكاف وضمها وهما سبعيتان، قيل معناه أنكر من الأمر الأول لكون القتل لا يمكن تداركه بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن تداركه بإرجاعه. وقيل النكر أقل من الإمر، لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة.
وعن قتادة قال : النكر أنكر من العجب، قيل استبعد موسى أن يقتل نفسا بغير نفس ولم يتأول للخضر بأنه يحل القتل بأسباب أخر. عن أبي العالية عند ابن المنذر وابن أي حاتم قال : كان الخضر عبدا لا تراه الأعين إلا من أراد الله أن يريه إياه، فلم يراه من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام.
وأقول ينبغي أن ينظر من أين له هذا، فإن لم يكن مستنده إلا قوله " ولو رآه القوم الخ " فليس ذلك بموجب لما ذكره أما أولا فإن الجائز أن يفعل ذلك من غير أن يراه أهل السفينة وأهل الغلام لا لكونه لا تراه الأعين، بل لكون فعل ذلك من غير اطلاعهم.
وأما ثانيا فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه، ويدل عليه قول النبي ﷺ في الحديث المتقدم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء فسلموا الأمر لله. وعن عطاء قال : كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم، وفي لفظ ولكنك لا تعلم، وقد نهى الرسول ﷺ عن قتلهم فاعتزلهم.
وأخرج مسلم وأبو داوود والترمذي وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال : الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا، ولو أدرك لأرهق بأبويه طغيانا وكفرا. (١).
واعلم أنه قد رويت في قصة موسى مع الخضر المذكورة في الكتاب العزيز أحاديث كثيرة وأتمها وأكملها ما روي عن ابن عباس ولكنها اختلفت في بعض الألفاظ وكلها مروية عن سعيد بن جبير عنه وبعضها في الصحيحين وغيرهما وبعضها في أحدهما وبعضها خارج عنهما، وقد رويت من طريق العوفي عنه كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم ومن طرق أخرى فلنقتصر على الرواية التي هي أتم الراويات الثابتة في الصحيحين ففي ذلك ما يغني عن غيره وهي(١) :
قال سعيد ابن جبير قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :( إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم(٢).
فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق.
فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا.
قال سفيان : يزعم الناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام، قال أنا موسى ؛ قال موسى بن إسرائيل ؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال : إنك لن تستطيع معي صبرا، يا موسى إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك الله لا أعلمه. قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، فقال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفاجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا، قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ؟ قال : لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا.
قال وقال رسول الله ﷺ فكانت الأولى من موسى نسيانا، قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور الذي وقع على حرف السفينة من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذا أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا، قال : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا، قال : وهذه أشد من الأولى، قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا.
فانطلقا حتى إذا أتيا على أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال مائل، فقال الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ! لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا، فقال رسول الله ﷺ وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما.
قال سعيد بن جبير : وكان ابن عباس يقرأ : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين وبقية روايات سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب هي موافقة لهذه الرواية في المعنى وإن تفاوتت الألفاظ في بعضها، فلا فائدة في الإطالة بذكرها، وكذلك روايات غير سعيد عنه.
١ مسلم ٢٦٦١-أبو داوود كتاب السنة باب١٩..