اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾. يجوز أن يكون «هُوَ » مبتدأ و «الأبتر » خبره، والجملة خبر «إن »، وأن يكون فصلاً.
وقال أبو البقاء(١) :«أو توكيد »، وهو غلط ؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر.
والأبترُ : الذي لا عقب له، وهو في الأصل : الشيء المقطوع، من بترهُ، أي : قطعه.
وحمار أبتر : لا ذنب له، ورجل أباتر - بضم الهمزة - : الذي يقطع رحمه.
قال :[ الطويل ]
٥٣٢٧- لَئِيمٌ نَزتْ فِي أنْفهِ خُنزُوانَةٌعَلى قَطْعِ ذِي القُرْبَى أحَذُّ أباتِرُ(٢)
وبتر - بالكسر - : انقطع ذنبه.
قال أهل اللغة : الأبتر من الرجال : من لا ولد له، ومن الدواب : الذي لا ذنب له.
[ وكل من انقطع من الخير أثره، فهو أبتر. والبترُ : القطع، بترت الشيء بتراً قطعته قبل الإتمام، والانبتار : الانقطاع، والباتر : السيف القاطع ](٣).
وفي الحديث :«مَا هَذهِ البُتَيْرَاء ؟ »(٤) لمن أوتر بركعة واحدة، فأنكر عليه ابن مسعود.
وخطب زياد خطبة بتراء، لم يذكر الله تعالى، ولا صلى على النبي ﷺ. وكان للنبي درع يقال لها :«البتراء »، سميت بذلك لقصرها، وقال ابن السكيت : الأبتران : العِيْرُ والعبد، سميا بذلك لقلة خيرهما.
[ والبتريّة فرقة من الزيدية نسبوا إلى المغيرة بن سعد، ولقبه الأبتر ].
وقرأ العامة :«شَانِئك » بالألف، اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال أو الماضي.
وقرأ ابن عبَّاس(٥) :«شنئك » بغير ألف.
فقيل : يجوز أن تكون بناء مبالغة ك «فعال » و«مفعال »، وقد أثبته سيبويه ؛ وأنشد :[ الكامل ]
٥٣٢٨- حَذِرٌ أموراً لا تَضِيرُ، وآمِنٌما ليْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ(٦)
وقول زيد الخيل :[ الوافر ]
٥٣٢٩- أتَانِي أنَّهُمْ مَزقُونَ عِرْضِيجحَاشُ الكِرمَليْنِ لهَا قَديدُ(٧)
[ فإن كان بمعنى الحال، والاستقبال، فإضافته لمفعوله من نصب، وإن كان بمعنى المضي فهي لا من نصب.
وقيل : يجوز أن يكون مقصوراً من فاعل كقولهم : بر وبار، وبرد وبارد ].

فصل في أقوال العلماء في الآية


اختلف المفسرون [ في المراد ] بقوله تعالى :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ فقيل : هو العاص بن وائل، وكانت العرب تسمي من له بنون، وبنات، ثم مات البنون، وبقي البنات : أبتر.
فقيل : إن العاص وقف مع النبي ﷺ يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش : مع من كنت واقفاً ؟ فقال : مع ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله ﷺ، وكان من خديجة - رضي الله عنها - فأنزل الله تعالى :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ أي : المقطوع ذكره من خير الدنيا، والآخرة.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان أهل الجاهلية، إذا مات ابن الرجل قالوا : بُتر فلان، فلما توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ خرج أبو جهل لأصحابه، فقال : بتر محمد، فأنزل الله تعالى ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ يعني أبا جهل.
وقال شهر بن عطية : هو عقبة بن أبي معيط(٨).
وقال السديُّ وابن زيد : إن قريشاً كانوا يقولون لمن مات له ذكور ولده : قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله ﷺ القاسمُ ب «مكة »، وإبراهيم ب «المدينة »، قالوا : بتر محمد، أي : فليس من يقوم بأمره من بعده، فنزلت الآية(٩).
وقيل : لما أوحى الله تعالى لرسوله ﷺ دعا قريشاً إلى الإيمان قالوا : انبتر منا محمد، أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله ﷺ أنهم هم المبتورون، قاله عكرمة وشهر بن حوشب.
١ ينظر: الإملاء ٢/٢٩٥..
٢ البيت لأبي الرئيس المازني، واسمه عبادة بن طهفة.
ينظر اللسان (بتر)، والبحر ٨/٥٢٠، والدر المصون ٦/٥٧٨..

٣ سقط من: ب..
٤ أخرجه ابن ماجه (١/٣٧٢)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الوتر بركعة حديث (١١٧٦)..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٢١، والدر المصون ٦/٥٧٨..
٦ تقدم..
٧ تقدم..
٨ أخرجه ابن سعد وابن عساكر والزبير بن بكار كما في "الدر المنثور" (٦/٦٩٠)، وينظر تفسير الماوردي (٦/٣٥٦)..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٩١)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن السدي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى