البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾ قال ابن عباس : لعنوا بكل لسان.
لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد محمد في القرآن.
وروى ابن جريج : أنه اقترن بلعنتهم على لسان داود أن مسخوا خنازير، وذلك أن داود مرّ على نفر وهم في بيت فقال : من في البيت ؟ قالوا : خنازير على معنى الاحتجاب، قال : اللهم خنازير، فكانوا خنازير.
ثم دعا عيسى على من افترى عليه وعلى أمه ولعنهم.
وروي عن ابن عباس : لعن على لسان داود أصحاب السبت، وعلى لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة.
وقال أكثر المفسرين : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود : اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة.
ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى : اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.
وقال الأصم وغيره : بشّر داود وعيسى بمحمد ﷺ، ولعنا من كذبه.
وقيل : دعوا على من عصاهما ولعناه.
وروي أن داود قال : اللهم ليلبسوا اللعنة مثل الرّداء ومثل منطقة الحقوين، اللهم اجعلهم آية ومثالاً لخلقك.
والظاهر من الآية الإخبار عن أسلاف اليهود والنصارى أنهم ملعونون.
وبناء الفعل للمفعول يحتمل أن يكون الله تعالى هو اللاعن لهم على لسان داود وعيسى، ويحتمل أن يكونا هما اللاعنان لهم.
ولما كانوا يتبجحون بأسلافهم وأنهم أولاد الأنبياء، أخبروا أنّ الكفار منهم ملعونون على لسان أنبيائهم.
واللعنة هي الطرد من رحمة الله، ولا تدل الآية على اقتران اللعنة بمسخ.
والأفصح أنه إذا فرق منضماً الجزئين اختير الإفراد على لفظ التثنية وعلى لفظ الجمع، فكذلك جاء على لسان مفرداً ولم يأت على لساني داود وعيسى، ولا على ألسنة داود وعيسى.
فلو كان المنضمان غير متفرّقين اختير لفظ الجمع على لفظ التثنية وعلى الإفراد نحو قوله :﴿فقد صغت قلوبكما﴾ والمراد باللسان هنا الجارحة لا اللغة، أي الناطق بلعنتهم هو داود وعيسى.
﴿ذلك بما عصوا﴾ أي ذلك اللعن كان بسبب عصيانهم، وذكر هذا على سبيل التوكيد، وإلا فقد فهم سبب اللعنة بإسنادها إلى من تعلق به الوصف الدال على العلية، وهو الذين كفروا.
كما تقول : رجم الزاني، فيعلم أنّ سببه الزنا.
كذلك اللعن سببه الكفر، ولكن أكد بذكره ثانية في قوله : ذلك بما عصوا.
﴿وكانوا يعتدون﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على عصوا، فيتقدر بالمصدر أي : وبكونهم يعتدون، يتجاوزون الحد في العصيان والكفر، وينتهون إلى أقصى غاياته.
ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله بأنه كان شأنهم وأمرهم الاعتداء، ويقوي هذا ما جاء بعده كالشرح وهو قوله :
﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى