التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يرون العذاب الذي استعجلوه فقال :﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾.
والفاء في قوله :﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً...﴾ هي الفصيحة، و ﴿لما﴾ ظرف بمعنى حين.
و ﴿رأوه﴾ مستعمل في المستقبل، وجئ به بصيغة الماضي لتحقق الوقوع، كما في قوله - تعالى - :﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ...﴾ و ﴿زُلْفَةً﴾ اسم مصدر لأزلف إزلافا، بمعنى القرب. ومنه قوله - تعالى - :﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة...﴾ أي : قربت للمتقين، وهو حال من مفعول ﴿رَأَوْهُ﴾.
والمعنى : لقد حل بالكافرين العذاب الذي كانوا يستعجلونه ويقولون : متى هذا الوعد، فحين رأوه نازلا بهم، وقريبا منهم ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي : ساءت رؤيته وجوههم، وحلت عليها غبرة ترهقها قترة.
﴿وَقِيلَ﴾ لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب ﴿هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي : هذا هو العذاب الذي كنتم تتعجلون وقوعه في الدنيا، وتستهزئون بمن يحذركم منه.
فقوله :﴿تَدَّعُونَ﴾ من الدعاء، بمعنى الطلب، أو من الدعوى.
﴿سِيئَتْ﴾ فعل مبني للمجهول. وأسند - سبحانه - حصول السوء إلى الوجوه، لتضمينه معنى كلحت وقبحت واسودت، لأن الخوف من العذاب قد ظهرت آثاره على وجوههم.
وقال - سبحانه - ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ﴾ بالإظهار، ولم يقل وجوههم، لذمهم بصفة الكفر، التي كانت السبب في هلاكهم.
ومفعول ﴿تَدَّعُونَ﴾ محذوف، والتقدير : وقيل لهم هذا الذي كنتم تدعون عدم وقوعه قد وقع، وها أنتم تشاهدونه أمام أعينكم.
والجار والمجرور في قوله ﴿بِهِ﴾ متعلق بتدعون، لأنه مضمن معنى تكذبون.
والقائل لهم هذا القول : هم خزنة النار، على سبيل التبكيت لهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى