الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿غُثَآءً﴾ : مفعولٌ ثانٍ للجَعْل بمعنى التصيير. والغُثاء : قيل هو الجُفاء وقد تقدَّم في الرعد. قاله الأخفش. وقال الزجاج :" هو البالي مِنْ ورق الشجر، إذا جَرَى السيلُ خالَطَ زَبَدَه ". وقيل : كل ما يُلْقيه السَّيْلُ والقِدْرُ مِمَّا لا يُنْتَفَعُ به، وبه يُضْرَبُ المَثَلُ في ذلك. ولامُه واوٌ لأنه مِنْ غثا الوادي يَغْثُو غَثْوَاً وكذلك غَثَت القِدْرُ. وأمَّا غَثِيَتْ نفسُه تَغْثِي غَثَياناً أي : خَبُثَتْ فهو قريبٌ مِنْ معناه، ولكنه مِنْ مادة الياء. وتُشَدَّدُ ثاء " الغُثَّاء " وتُخَفَّفُ وقد جُمع على " أَغْثاء " وهو شاذُّ، بل كان قياسُه أن يُجْمَعَ على أَغْثِيَة كأَغْرِبة، أو على غِثْيان كغِرْبان وغِلْمان. وأنشدوا لامرىء القيس :
٣٤١٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** من السَّيْلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مُغْزَلِ
بتشديد الثاء وتخفيفها والجمع أي : والأَغْثاء.
قوله :﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ﴾ : بُعْداً : مصدرٌ بَدَلٌ من اللفظِ بفعلِه، فناصبُه واجبُ الإِضمارِ لأنَّه بمعنى الدعاءِ عليهم. والأصلُ : بَعُدَ بُعْدَاً وبَعَداً نحو : رَشَدَ رُشْداً ورَشَداً. وفي هذه اللامِ قولان أحدُهما : وهو الظاهرُ أنَّها متعلقةٌ بمحذوفٍ للبيانِ كهي في سَقْياً له وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. الثاني : أنها متعلقةٌ ب بُعْداً. قاله الحوفي. وهذا مردودٌ ؛/ لأنه لا يُحْفَظُ حَذْفُ هذه اللامِ ووصولُ المصدرِ إلى مجرورِها البتةَ، ولذلك منعوا الاشتغالَ في قولِه ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٨] لأنَّ اللام لا تتعلَّقُ ب " تَعْساً " بل بمحذوفٍ، وإن كان الزمخشريُّ جَوَّزَ ذلك، وسيأتي في موضِعه إنْ شاءَ الله تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى