تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي : ابتليناهم بالمصائب والشدائد، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي : فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على ضلالهم وغيهم. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي : ما خشعوا، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي : ما دعوا، كما قال تعالى :﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي ابن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد - يعني : النحوي - عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال : جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال : يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز - يعني : الوبر والدم - فأنزل الله :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾
وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه، به(١). وأصل هذا الحديث في الصحيحين : أن(٢) رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال :" اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " (٣).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كَيْسان، عن(٤) وهب بن عمر بن كيسان قال : حُبِس وهب بن مُنَبِّه، فقال له رجل من الأبناء : ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله ؟ فقال وهب : نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ قال : وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له : ما هذا الصوم يا أبا عبد الله ؟ قال : أَحَدَث لنا فأحدثنا. يعني : أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة.
١ - سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٢)..
٢ - في ف، أ :"عن"..
٣ - صحيح البخاري برقم (٤٦٩٣) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه..
٤ - في ف، أ :"حدثني"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى