جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرّعُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيّقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف. فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبّهِمْ يقول : فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه ويُنيبوا إلى طاعته. وَما يَتَضَرّعُونَ يقول : وما يتذللون له.
وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، دعا عليهم رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : جاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال : يا محمد، أَنْشُدُكَ الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهِز يعني الوبر والدم. فأنزل الله : وَلَقَدْ أخَذْناهُمْ بالعَذَابِ، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبّهِمْ وَما يَتَضَرّعُونَ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، عن عِلباء بن أحمر، عن عِكرمة، عن ابن عباس : أن ابن أُثالٍ الحنفيّ لما أتى النبيّ ﷺ وهو أسير، فخلّى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين المِيرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِزَ، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ ﷺ، فقال : أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين ؟ فقال :«بَلى » فقال : قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فأنزل الله : وَلَقَدْ أخَذْناهُمْ بالعَذَابِ. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : أخبرنا عمرو، قال : قال الحسن : إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحَمِيّة ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرّعوا إلى الله. وقرأ هذه الاَية : وَلَقَدْ أخَذْناهُمْ بالعَذَابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبّهِمْ وَما يَتَضَرّعونَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : وَلَقَد أخَذْناهُمْ بالعَذَابِ قال : الجوع والجدب. فَمَا اسْتَكانُوا لرَبّهِمْ فصبروا. وما اسْتَكانُوا لرَبّهِم وَما يَتَضَرّعُونَ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾
يقول تعالى ذكره: والذين لا يصدّقون بالبعث بعد الممات، وقيام الساعة، ومجازاة الله عباده في الدار الآخرة; (عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) يقول: عن محجة الحق وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده العادلون. يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكب عنه: أي عدل عنه.
وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: (عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) قال: العادلون.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) يقول: عن الحقّ عادلون.
وقوله: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ) يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب وضرّ الجوع والهزال; (لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ) يعني في عتوّهم وجرأتهم على ربهم. (يَعْمَهُونَ) يعني: يتردّدون.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ) قال: الجوع.