جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿حَتّىَ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : حتى إذا فتحنا عليهم باب القتال فقتلوا يوم بدر. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسحاق بن شاهين، قال : حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله : حتى إذَا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ قد مضى، كان يوم بدر.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : حتى إذَا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ قال : يوم بدر.
وقال آخرون : معناه : حتى إذا فتحنا عليهم باب المجاعة والضرّ، وهو الباب ذو العذاب الشديد. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : حتى إذَا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ قال : لكفار قريش الجوع، وما قبلها من القصة لهم أيضا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه، إلاّ أنه قال : وما قبلها أيضا.
وهذا القول الذي قاله مجاهد : أولى بتأويل الآية، لصحة الخبر الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس، أن هذه الاَية نزلت على رسول الله ﷺ في قصة المجاعة التي أصابت قريشا بدعاء رسول الله ﷺ عليهم، وأمر ثمامة بن أثال وذلك لا شكّ أنه كان بعد وقعة بدر.
وقوله : إذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ يقول : إذا هؤلاء المشركون فيما فتحنا عليهم من العذاب حَزَانَى نادمون على ما سلف منهم في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر الخبر في ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز! يعني الوبر والدم، فأنزل الله: (ولقد أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي، لما أتى النبيّ ﷺ وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِز، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين؟ فقال: "بلى! " فقال: قد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع! فأنزل الله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ... ) الآية.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قِبَل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) قال: الجوع والجدب. (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) فَصَبَرُوا (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).