اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ قال المفسرون : لما أسلم(١) ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة(٢) عن أهل مكة، ودَعَا النبي ﷺ على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز(٣)، جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ وقال : أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ فقال :«بَلَى ». فقال : قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية(٤). والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم : العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر(٥) يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان.
وقيل : المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. «فَمَا اسْتَكَانُوا » أي : مشركو العرب(٦).
قوله :«فَمَا اسْتَكَانُوا » تقدم وزن ( استكان ) في آل عمران(٧).
وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم.
وقال الزمخشري : فإن قلت : هَلاَّ قيل : وما تَضرّعوا ( أو )(٨) فما يستكينون.
قلت : لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد (٩).
فظاهر هذا أنَّ ( حَتَّى ) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع(١٠). ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي : ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/١١٤ – ١١٥..
٢ الميرة: الطعام يمتاره الإنسان. وقيل: جلب الطعام للبيع. اللسان (مير)..
٣ العلهز: وبر يخلط بدماء الحلم كانت العرب في الجاهلية تأكله في الجدب. اللسان (علهز)..
٤ انظر أسباب النزول للواحدي (٢٣٢)..
٥ في ب: والأسرا..
٦ آخر ما نقله هنا عن الرازي ٢٣/١١٤ – ١١٥..
٧ عند قوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٦]..
٨ أو: تكملة من الكشف..
٩ الكشاف: ٣/٥٣ – ٥٤..
١٠ والتضرع: سقط من ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى